محمد طاهر أنعم
لا يفت في عضد الأمة المجاهدة والقوى المقاومة شيء مثل: الانهزامية النفسية؛ والشعور بالدونية.
والمسلمون يحملون المشروع الحضاري الأعظم والأعلى؛ والذي يصلح الحياة في شتى المجالات سياسية واقتصادية واجتماعية.. وسواها، ويبرهن على ذلك أن أكثر المناطق التي فتحها المسلمون في عصور الفتوحات اقتنع أهلها بهذا النظام الديني العظيم، ودخلوا في دين الله أفواجاً، من كل الأقوام والعرقيات، العرب والكرد، والبربر والترك، والفرس والأفارقة وسواهم.
والعكس من ذلك في البلاد المسلمة التي احتلها الكفار في القرون الماضية وفي عصر الاستعمار، حيث بقي أهلها على دينهم كارهين عدوهم حتى رحل عنهم بعد زمن طال أو قصر.
فالمشروع الحضاري الإسلامي هو المشروع الأصلح لحياة البشر في هذا الكوكب، كيف لا؟ والله - سبحانه وتعالى - خالق البشر, والعالم بمصالحهم؛ هو الذي بين معالم هذا المشروع، وأمر باتخاذه ديناً ومنهجاً.
ولا تزال الأمة بخير ما دامت تجعل هذه المسألة الجوهرية نصب عينها في كل منعطف.
أما الخطر الحقيقي فهو الانهزامية النفسية، هو أن يبحث المسلمون عن حلول إشكالاتهم وتخلفهم - الذي خلقه انحرافهم عن المنهج السوي - عند الكفرة الضالين.
الخطر هو أن يظن بعض الناس أن الكفار - على مختلف مسمياتهم الجميلة وغير الجميلة - يريدون خيراً للمسلمين، أو صلاحاً في أمور دنياهم؛ أو تقدماً.
وقد أوضح الله - سبحانه وتعالى - هذه المسألة بما لا تجوز الغفلة عنه (( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) ) (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ) ).
الخطر هو أن نختلق الأعذار الواهية والأسباب الكاذبة للتعامل مع الكافر- والكافر المحارب -، والقبول ببعض مشاريعه السياسية والاجتماعية، وإملاءاته الاقتصادية وسواها.
الخطر هو أن يستقوي بعضنا ضد بعضنا بالآخر الكافر المحارب المتربص.
والخطر هو أن يندفع المسلم منتقماً من ظلم وقع عليه من بني جلدته حكاماً أو أحزاباً، أو قبائل أو قوميات في بلده؛ ليضع يده في يد الكافر الأعظم ظلماً، والأبعد حالاً؛ ملتمساً عنده الإنصاف، أو راغباً في تحقيق المصلحة الذاتية للجماعة أو الحزب أو العرقية أو سواها، ألم يقل ربنا - سبحانه وتعالى: (( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) ).
عندما طرح مشروع الشرق الأوسط الكبير من أمريكا الوالغة في دماء المسلمين؛ أخذ الناس يسمعون من هنا وهناك دعوات غريبة من قوى سياسية حزبية وسواها في البلاد العربية تدعو لعدم رفض هذا المشروع الحضاري!! بل ومناقشته، وأخذ ما فيه من الخير والقيم المثلى والعليا!!
ومعظم تلك الدعوات جاءت من المعارضين والمضطهدين من أفراد وجماعات، وأحزاب وقوميات، وكانت رداً على موقف الحكومات الرافض للمشروع، ليس اعتزازاً حضارياً بل لتضمنه الإصلاح السياسي، والمشاركة الشعبية والحزبية - على حد زعمهم -!
وتشتد الغرابة حين ترى بعض الموصوفين بالانتماء للفكر الإسلامي، والجماعات والتيارات الدينية؛ يتخذون مواقف غير رافضة للمشروع ومداهنة له؛ ناسين مشروعهم الحضاري الإسلامي المتكامل والذي لا ينبغي لهم قبول سواه.
ثم إن هناك عدم نضج سياسي - هذه أحسن عبارة يمكن أن تقال هنا - في التعامل مع المشاريع الأمريكية، فمن هو المسلم الذي ما تزال تنطلي عليه مشاريع الإصلاح الأمريكية، ومن الذي يصدق أن أمريكا تريد بنا خيراً (( لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ) ).
أليست أمريكا هي التي دعمت تلك الأنظمة العربية القمعية والشمولية عشرات السنين، أليست هي التي كانت تغض الطرف عنهم وعن انتهاكاتهم لحقوق الإنسان؛ التي تدينها تقارير المنظمات الحقوقية الدولية والأمريكية بالأخص، بل وحتى تقارير الخارجية الأمريكية نفسها.
أليست أمريكا هي التي تبيع لهم أجهزة القمع، وتقيم لهم الدورات التدريبية في التعامل مع المشاغبين، والإرهابيين، وأحداث الشغب.
ما الذي يرجوه عاقل من أمريكا.
أين الحرية المزعومة في العراق بعد مرور العام.
أين مقومات الدولة والوطن والرفاه الاقتصادي.
أين حكومات الوحدة الوطنية، والقضاء على المليشيات القبلية، والمذهبية، والانقسامات العرقية في أفغانستان، والعراق.
ثم هل يظن ظان أن أمريكا من الغباء بحيث تقبل أن نأخذ ما نريد من الإصلاحات السياسية في مشروعها - الشرق الأوسط الكبير - ونذر ما سواه!
إنه مشروع كبير متداخل؛ يتضمن تحرير المرأة من الشرع والعادات، ويتضمن هدم آخر معالم الولاء والبراء في التعامل مع دولة الكيان الصهيوني، وفتح السفارات لها في كل بلاد المنطقة، والتعامل الواقعي معها، ويتضمن القفز على القيود الشرعية في مفهوم الحرية بجميع مجالاتها الدينية والسياسية وغيرها.