محمد أبو رمان 25/2/1428
تشكل الثقافة السياسية مفصلاً مهماً في تفسير الواقع الراهن وتحديد آفاق المستقبل والاحتمالات المتعددة. فإمّا أن تكون هذه الثقافة رافعة للتغيير والإصلاح والتطور، أو تكون كابحاً ومعيقاً، بل وعنواناً للأزمة ورصيداً لها.
وليس من المبالغة القول إنّك لا تعثر على مجلس شعبي عربي عام، حتى في مناسبات اجتماعية، إلاّ وتجد أنّ الحديث السياسي يستأثر بنصيب الأسد من نقاش الحضور، وليس غريباً أن يستدل بعض الكتاب والباحثين والسياسيين بهذه الظاهرة على المنسوب المرتفع في الوعي السياسي لدى الشارع العربي مقارنة بالشعوب الأخرى.
إلاّ أنّ المفارقة اللافتة تبدو في أنّ الأوضاع السياسية في العالم العربي، على المستويات كافة، تسير بخطا متسارعة إلى الوراء على الرغم من هذا"الوعي السياسي"المزعوم للشارع العربي. وهذه المفارقة تُفسّر بأحد أمرين؛ فإمّا أنّ هذا الوعي لم يشق طريقه نحو الفعل، ولم ينعكس على أرض الواقع بسبب الممانعة الأمنية ودور القوى المضادة - وهذا يعني أنّ هنالك ضعفاً في الوعي يتمثل بالجانب الواقعي والعملي منه- وإمّا أنّ الوعي العربي يعاني من أزمات كبيرة، وأنّه ليس وعياً إيجابياً، بالضرورة، وربما يكون سلبياً وسبباً في إدامة الأزمة، وبخاصة إذا كان إدراكه لها يقوم على قراءات ومداخل خاطئة.
وفي هذا السياق، إذا كان تعميم الحكم على الوعي العربي بأسره غير علمي ولا موضوعي، فإنّ هنالك مؤشرات واستطلاعات وبيانات تشير إلى الأزمات والمشكلات التي يعاني منها الوعي، توازي العوائق الأمنية والسياسية التي تضعها الحكومات العربية ضد الإصلاح والتغيير، وتتجلّى هنا حالة من التعانق والاشتباك بين المشكلة السياسية والمشكلة الثقافية في الواقع العربي الراهن.
إحدى المعضلات الخطيرة في الوعي الجماهيري تتمثل في الوزن المبالغ به في تحميل مشكلاتنا وأزماتنا إلى الخارج، وهو ما يتجلّى بوضوح فيما يُسمّى بـ"نظرية المؤامرة"، التي يُغرم بها العقل العربي، وتنتشر ليس فقط لدى قطاع واسع من الجماهير، بل حتى النخب العربية المعارضة، التي تساهم - دون أن تدرك- في زيادة حالة السلبية والتقاعس وفشل محاولات الإصلاح والتغيير.
ما سبق لا يعني - بحال من الأحوال- إنكار وجود مخططات خارجية ودور للقوى الكبرى في تأزيم الوضع العربي وإيجاد المشكلات والكوارث، فالشواهد على ذلك بادية للعيان، إنما المشكلة - في نظرية المؤامرة- تكمن في ثلاث قضايا حيوية:
القضية الأولى: في تبرئة الذات واعتبار أنّ العلة الحقيقية في الخارج، وهي في الحقيقة علة داخلية قبل أن تكون خارجية، ولولا"القابلية للاستعمار"لما كان هنالك استعمار، ولولا وجود"مؤامرة"في الداخل لما فتح الطريق لـ"مؤامرة"الخارج. والناظر في واقع العالم العربي يجد أنّ أكثر المصائب تنبع من شرخ داخلي، فالحصار على حكومة حماس - على سبيل المثال- والعمل على إسقاطها، كان في الاًصل محلياً فلسطينياً وعربياً، قبل أن يكون أمريكياً وإسرائيلياً، ومن يقتلون بعضهم بعضاً في العراق هم العرب والمسلمون من السنة والشيعة.
القضية الثانية: أنّ اختزال السياسة ودهاليزها ومشكلاتها في صيغة"المؤامرة"والتواطؤ الدولي ضد الإسلام والمسلمين هو توصيف مختل. صحيح أنّ هنالك جانباً دينياً وثقافياً في الصراع مع الولايات المتحدة بخاصة، والغرب بعامة، لكن هذا أحد جوانب اللعبة الدولية والإقليمية، وثمة جوانب أخطر وأهم ترتبط بلعبة المصالح السياسية والاقتصادية، فالسياسة أبعد من عملية تأطيرها في تفسير ثنائي للعلاقة مع الغرب (خير وشر) . ولعل المثال البارز على ذلك حالياً هو السياسة الخارجية الإيرانية التي تتحالف مع"الشيطان الأكبر"في بعض الدول وتصارعه في دول أخرى.
القضية الثالثة: أنّ هذه النظرية تنقل مجال العمل والنشاط من سياقه الصحيح وأولوياته المطلوبة إلى المجالات الأخرى الثانوية، وهي - أي نظرية المؤامرة- أفضل استثمار للنظم العربية لتزوير وعي الجماهير، بجعل الخارج"قميص عثمان"، وتوجيه الغضب والإحباط إليه، في حين أنّ هذه النظم هي سبب البلاء والداء، والعمل على إصلاحها هو الأولوية الحقيقية التي يجب أن تسعى إليها الشعوب العربية لتغيير أوضاعها. فانظر كم مظاهرة تخرج في العواصم العربية، ويُسمح بها رسمياً، ضد إسرائيل وأمريكا، بحيث تقوم المعارضة العتيدة بحشد الشارع وتجنيده وتعبئته، وقارن ذلك بعدد المظاهرات والمسيرات التي تخرج احتجاجاً على الأوضاع المتردية داخلياً سياسياً واقتصادياً، ضد الفساد والقمع وانتهاكات حقوق الإنسان والحريات العامة! واقرأ المقالات اليومية في الصحافة العربية مقارناً بين تلك التي تنتقد الفساد والاستبداد والانتهاكات الداخلية المريعة وبين المقالات التي تتحدث عن الامبريالية الأمريكية والاحتلال الصهيوني!