احمد ابراهيم خضر
منذ العشرينيات من هذا القرن والباحثون الغربيون المتخصصون منشغلون بقضايا تغريب العالم الإسلامي بعامة ، وما يسمونه بمنطقة الشرق الأوسط بخاصة ولا يكاد يخلو أي كتاب أو أي مقالة تتعرض لحياة المسلمين من إشارة هنا وأخرى هناك لهذا التغريب ، إلى الدرجة التي حدت بهؤلاء الباحثين إلى القول:
"إن مظاهر التغريب عند شعوب الشرق الأوسط مشاهدة تماماً وبدرجة كافية وإنه لمن السهل عليك أن تضع قائمة طويلة توضح لك كيف أن هذه المظاهر التقليدية التي كانت سائدة منذ مائة أو مائة وخمسين عاماً قد اجتاحتها رياح التغيير ، واستبدلتها بقيم أدخلها الغرب".
لم يكن تغريب المسلمين مسألة متروكة لمجرد الاحتكاك بين الثقافتين الإسلامية والغربية، ثم متابعة آثار هذا الاحتكاك على الإسلام والمسلمين، إنما كانت سياسة موجهة ومدروسة تستند إلى تنظير خاص ، يعتمد في جزء كبير منه على تجارب الاحتكاك بين الإسلام والغرب في الماضي ، وعلى تجربة الثورة الصناعية وما تلاها من آثار على البناء الاقتصادي والاجتماعي والتقني الغربي ، ثم على تحليل مسألة اتساع الهوة بين هاتين الثقافتين بعد الثورة الصناعية؛ بسبب الاستقرار الثقافي في بلاد المسلمين، وتلك التراكمات التي أخذت مكانها في الغرب.
نظرية ومكاسب:
استندت عملية تغريب المسلمين إلى ما يسمى بنظرية (تشويش الأحكام القيمية) أو إيقاع الاضطراب في هذه الأحكام ، وتقوم هذه النظرية على الأساس التالي:
"هناك توازن وتوافق بين عناصر ثقافة المجتمع التقليدي المستقر جيداً ، بمعنى أن القيم التي تحكم وتسود هذا المجتمع تتسق وتؤيد واقعه المعاش ؛ ولهذا تتميز ثقافة هذا المجتمع بالتماسك والتوازن الداخلي."
ويمكن للواقع الثقافي أن يعير وأن يستعير عناصر من ثقافة أخرى مخالفة بصورة أكثر سرعة من استعارة القيم الثقافية ، ولهذا يصعب حدوث تغير في القيم في الوقت الذي يسهل فيه حدوث تغير في الواقع.
وعندما يحدث اتصال بين ثقافتين مختلفتين ، فيدخل واقع جديد إلى إحداهما يمكن هنا أن يتحطم التوازن القديم ، وتتغير القيم الثقافية بتغير الواقع الذي كانت تحكمه وإن احتاج الأمر إلى بعض الوقت ، بسبب هذه الصلة العاطفية التي يحيط بها المجتمع ثقافته الخاصة ، ومقاومته لإدخال أي محتويات ثقافية غريبة أو جديدة.
وهذا لا يعني بالطبع أن مكونات الواقع في ثقافة ما يمكن أن تزرع في ثقافة أخرى دون أن تسبب تغيرات في قيمها ، أو أن قيم ثقافة ما يمكن أن تفرض على الثقافة الأخرى دون أن تحدث تغيرات في مكونات هذه الثقافة ؛ لأن التناسق المحكم والاعتماد المتبادل بين مكونات الواقع والقيم الثقافية يجعل من غير الممكن أن تدخل تغيرات في واحدة منها دون أن تحدث تغيرات في الأخرى"."
بهذه النظرية دخل الغرب إلى حياة المسلمين ساعياً بمختلف طاقاته الثقافية والعسكرية والاقتصادية والتقنية إلى إدخال واقع جديد يخص ثقافته هو على ثقافة المسلمين؛ ليحطم التوازن القائم بين واقعها وقيمها ، ويغير من قيمها حتى تصبح مناسبة للواقع الجديد الذي أدخله عليها ، ولقد حقق الغرب هنا مكسبين مهمين: أولهما أنه بتحطيمه لهذا التوازن المشار إليه أوجد هوة عميقة بين الإسلام والمسلمين ، ودمر الصلة العاطفية التي تربط المسلمين بإسلامهم والمكسب الآخر: أنه وهو يخترق هذه الهوة ليملأ الفراغ المترتب عليها حرك الأمور بالطريقة التي تمكنه من تحقيق مكاسب مادية ضخمة على حساب هذا الكيان المنهار.
سنقتصر في مقالتنا هذه على عرض وتحليل ثلاثة من عناصر هذا الواقع الجديد الذي أدخله الغرب على حياة المسلمين فدمر التوازن القائم في ثقافتهم.
أولا صنع هيبة الغرب:
لم يكن هذا الواقع موجوداً من قبل ، كانت العلاقة بين المسلمين وغيرهم تقوم على أساس"الإسلام والكفر،وجاء الغرب وأدخل واقعاً جديداً.. فبعد أن تمكن من إيجاد موطئ لأقدامه في بلاد المسلمين، أحاط نفسه وأهله بهالة من الهيبة والاحترام ، وفرض نفسه على النظام الاجتماعي القائم في بلاد المسلمين، وتقلد الوظائف القيادية، وساهمت حكومات بلاد المسلمين العلمانية في تدعيم هذه الهيبة ؛ بوضع أبناء المستعمر في مواقع قيادية مهمة وسمحت لهم بالحضور إلى مناسبات وطنية وغير وطنية ، لا يدعى إليها عادة إلا كبار رجالات الدولة وعلية القوم فيها."
وزاد الغرب من هيبته في عيون المسلمين بما أدخله عليهم من صناعات وتكنولوجيا ومعرفة في ميادين مهمة انفرد بها ، وكان نتيجة ذلك أن ظهر الغربيون للمسلمين على أنهم هم الأسمى وهم الطبقة العليا.
وهنا تغيرت القيم فأصبح الغرب وأهله هدفاً مرغوباً يسعى بعض المسلمين للانتفاع به ، كما ينتفعون بصناعاته ومنتجاته ، وسهلت هذه الهيبة عند المسلمين طريق محاكاة أسلوب الحياة والسلوك والأخلاقيات والاتجاهات الغربية ، ثم جاء الانهيار الكبير حينما قلد المسلمون الغربيين في فتورهم نحو دينهم وعدم مبالاتهم به وهو عين ما كان يهدف إليه الغرب.