مفيدة محمد إبراهيم
إعداد وانتقاء سليمان الخراشي
( أنا لا أريد أن أنفرد في مناقشة هذا الكلام في الديمقراطية وإنما سأشرك القارئ الكريم ليناقشه من خلال تفكيره في عدد من التساؤلات منها:
1-كيف يوفق دعاة الديمقراطية الأوروبية بين حرية الفكر وحرية تشكيل الأحزاب الأوروبية الفكر من جهة ، وجمع كلمة الأمة التي يؤكد عليها الجميع من جهة أخرى؟ كيف تجتمع كلمة الأمة على قرار، أي قرار، من خلال الأحزاب المتضادة الانتماءات المتعارضة الفلسفات؟ كيف تتفق كلمة الماركسي الشيوعي الذي يعتمد فلسفة مادية ملحدة مع كلمة الليبرالي العلماني المادي الفلسفة ، والذي يتجه بعقله وقلبه إلى غرب أوروبا وأمريكا يستلهم منها الفكر والهداية، مع كلمة المؤمن بفلسفة إلاهية ، والذي يتجه بعقله وقلبه إلى أعلى، إلى الله يستلهم منه العون والهداية؟
قد يقول قائل: بالموضوعية! وبالديمقراطية وبحرية الفكر!!!
مما يستدعي التساؤل: أهي ذات الموضوعية وذات الفكر المتحرر الذي يتعامل بهما المهيمنون على هذه الأحزاب ، ليس فقط مع غيرهم من الأحزاب الأخرى وإنما أيضاً مع بعضهم البعض داخل الحزب الواحد؟ ينشقون ليكونوا أحزاباً منفصلة، حتى صار لكل حزب عدد من الأحزاب المنشقة عنه؟ وهو مرض أصاب معظم الأحزاب التغريبية من أول ما انشق الأفغاني عن الحزب الماسوني المرتبط بالمحفل البريطاني وكون حزباً ماسونياً مرتبطاً بالمحفل الفرنسي، وحتى يومنا هذا، مما جعل وصفي التل يقول لمن كان يدعو للسماح بحرية تشكيل الأحزاب:"سيكون في هذه الساحة أكثر من حزب بعث عربي اشتراكي لتمثل الفئات البعثية المختلفة والمتنافسة."
وسيكون في هذه الساحة أكثر من حزب إسلامي ، لتمثل التيارات الإسلامية المختلفة والمتنافسة .
وسيكون في هذه الساحة أحزاب تمثل توجهات إقليمية أردنية وأحزاب تمثل توجهات إقليمية فلسطينية.
وسيكون في هذه الساحة أحزاب تمثل الشلل السياسية الملتفة حول بعض الشخصيات السياسية البارزة.
وسيكون في هذه الساحة أحزاب تحركها وقد تمولها بعض الدول العربية أو بعض الدول الأجنبية..."."
أهي ذات الديمقراطية والنور الفكري الذي جعل كل منشق يتهم قيادة الحزب الأم بالدكتاتورية والتعنت ؟! فعلى سبيل المثال:
كيف تتفق حرية التفكير وحرية تشكيل الأحزاب ، وتنحية الأحزاب القائمة بالقوة؟ أليس لهذه الأحزاب أتباع لهم حرية فكر وحرية تشكيل أحزاب؟ أم الحرية هذه تمنح للبعض وتمنع عن البعض الآخر؟ وإن كان الأمر كذلك فما هو المعيار لهذا المنح والمنع؟ خاصة وأن الأحزاب هذه في الغالب ذات فلسفة مادية وفكر تغريبي مستورد، ومن له الحق في هذا المنح والمنع ما دام الكل في الاستيراد والتبعية سواء؟
إن كان على أساس مصلحة الشعب مقابل العمل المخرب؛ فهذه كلمات لها مفاهيم تختلف باختلاف عقائد الأحزاب المختلفة وبرامجها وأهدافها وانتماءاتها الخ.. فالمتغربون مثلاً يرون مصلحة الأمة في الانفتاح التام على الغرب وغيره تخريب، والشيوعيون يرون مصلحة الأمة في الانفتاح على روسيا ودول الكتلة الشرقية والانغلاق على الغرب ويرون غير ذلك تخريباً يجب مقاومته! وأصحاب التراث يرون الانغلاق على ذات الأمة وتراثها وبناء نفسها بنفسها هو ما يحقق مصلحة الأمة وغير ذلك كله باطل وتخريب . فكيف إذا تكون الحرية لمن يعمل لمصلحة الأمة وليس للمخرب؟!! ومن هو المخرب؟
وهل صحيح أننا أخذنا من الديمقراطية الغربية قشورها وتركنا لبها ؛ لأن الذين تزعموا طيلة نصف قرن وحتى الخمسينات وحدوث الثورات رجال لهم مصالح وعصبيات؟ أم أن الديمقراطية الغربية هي التي أخذها هؤلاء بقشرها ولبها، إن كانت تحتوي على لب أصلاً .
وهل أقام الديمقراطيات في أوروبا إلا المصالح وأصحاب المصالح الذين لا يزالون يديرونها ويوجهونها لما يحقق هذه المصالح؟ حتى إن أديب إسحق المعجب بالديمقراطية الغربية ذكر هذا الأمر فقال:"... محافل الشورى والندوات، مجالس نواب يتصرفون في أمور الأمة نقضاً وإبراماً، فيضعون مع وكلاء الدولة ما شاؤوه من القوانين ويعدلون منها ما يريدون، بل ربما قضوا على موكليهم بحرب تنحى على أموالهم بالنهاب وأرواحهم بالذهاب، أو انقادوا لأصحاب القوة الإجرائية ودانوا لهم مستعبدين الأمة معهم، كما جرى خلال المسألة الشرقية في كثير من الممالك الشورية"وذكر حكومة الشورى في الدول الأوروبية فقال:"إن هذه لا تلبث أن تنقلب شر منقلب كما جرى لحكومة لويس السادس عشر، وشارل العاشر، ونابليون الثالث في فرنسا ؛ فإن حكومات هؤلاء الملوك وإن وسمت بالشورية ظاهراً، فقد كانت استبدادية باطن ..."