فهرس الكتاب

الصفحة 2278 من 27364

د.إبراهيم بن صالح العمر* 23/6/1424

منذ أن خلق الله البشرية، وبزغ على هذه البسيطة فجر الإنسانية وصراع الحق والباطل وسنة التدافع بينهما هو همُّ الإنسان الأول على اختلاف مشربه، وتنوع مسلكه. حزبٌ منهم سيطر على بُنْية تفكيره الوسطية المنبثقة من خالق النفس ومربيها والعليم بأسرارها وما يصلحها، فكانوا حيث شرع الله وقوفاً عند حدوده، سائرين في فلك شرعه يبتغون الأمن في الدارين (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن) ، وينشدون السلامة من العطب في الحياتين (نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة) ، بينما حزب آخر تفرق شيعاً وأحزاباً (كل حزب بما لديهم فرحون) مفرِّطون تارةً ومفْرِطون أخرى، حتى غدا أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كفاراً عند بعضهم؛ بل ومنهم العشرة المبشرين بالجنة يحل قتلهم و قتالهم وسفك دمائهم. هذا المنهج الذي اكتوينا بناره، والذي أباح لنفسه الإفساد في الأرض وإرهاب عباد الله والمستأمنين من قبلهم، بل شرع لنفسه التقرب إلى الله بذلك وهو في غاية الضلال والإضلال، ولا ينافسه في ذلك سوى من يريد الفتنة والصد عن دين الله، وإحياءها باستعداء ولاة الأمر على رموز الصحوة وقادة الشباب ورواد العمل الإسلامي، متناسين ليس فقط جهدهم ومشاركتهم في بناء الأمن الفكري لهذا البلد، بل متناسين أنهم أول من اكتوى بنارالمفرطين تكفيراً وتبديعاً. إنه حينما تستغل الأزمات والحوادث الجسام التي تمر بها الأمم والشعوب، كما وقع في بلادنا لأهداف ذاتية وغايات أقرب إلى الدونية حتى لو كان الضحية النسق الأمني والتنظيم الاجتماعي؛ فإن تبني شعارات الدفاع عن الوطن وادعاء الوطنية يبقى محل نظر، إذ الكل يدعي شغفاً بليلى ولكن بتلك الفعال لا ينال ذلك. ليس المهم هو الاسم ولا الدعوى ورفع الصوت فالكل على هذا قادر، البر منهم والفاجر، لكن البينة على المدعي في ذلك وصدق الفعال. إن مما يزيد من هول فاجعة ما حدث أقلامٌ موتورة وأفئدة موبوءة تطنطن بالوطنية وتؤذن بالحمية، والوطن منها براء وحِماه عنها بعيد. لم يكن لها في نشأة هذا البلد ولا وحدته ولا تلاحم قبائله وتراص أطرافه أي دور؛ بل نشأت طحالب ظِلِّ قناصة للفرص، تعيش على الاستعداء تارة، وعلى التشنين تارة، وعلى تتبع الزلات وتكبير الهفوات تارةً أخرى، مستغلةً موقعها التحريري في صحفنا الوطنية لتنشر ما تريد وتمنع ما تشاء، ناسيةً بل متناسيةً فضل أهل الفضل في ترميم الجبهة الداخلية و شموخ حماة البلد أهل الرأي والسدد. ولهذا لا تجد قلوب هؤلاء الذين أهلكهم هم التغريب وأعياهم تدين البلاد والعباد أبغض من دعاة ودعوات النهضة والإصلاح التي توقظ الغافلين وتقيم القاعدين، وليس أحب إلى قلوبهم من أن تكتم الأفواه غير أفواههم وتصادر الحقوق غير حقوقهم، وتبقى الأمة مغيبة عن شرعها وأسباب نهضتها وقوتها.

في البرنامج الإذاعي اليهودي للدكتورة (لورا) ذائع الصيت فجع الأمريكيون بمستوى حضاري يسمح بحرق البنات؛ لئلا ينظر الرجال لوجوههن والذي نقلته الدكتورة (لورا) عن إحدى الصحف المحلية، وفجعتُ تبعاً لذلك كغيري من المسلمين هناك، كيف يساء لهذا البلد من قبل أهله؟ وكيف يتأتى للبعض ويهنأ بتحقيق مآربه والتنفيس عما يكن في صدره بالإساءة والتشهير بوطنه وأمته ويعمل على تقديم مادة إعلامية ساخرة لأعداء الأمة للنيل من هذا الوطن وشعبه وحكومته؟!. وفي المقابل وعندما يعلن ناطق بيتهم الأبيض بمطالبة حكومة السعودية بالاعتماد على الحل الأمني تتلقفه تلك الصحف في صفحات الرأي والخبر والرسم الساخر؛ بل يتعداه لصفحات الدعاية والإعلان مستعدية ولاة الأمر ومطالبة بعدم المجاملة في الموقوفين، ومقررة مع الخروج على الثوابت ثبات الخروج عما هو ثابت، تاركاً للقارئ الرجوع للإعلان وتفسير ماذا يراد. و وأيم الله ما هذه الوطنية الحقة، فماذا إذاً تكون؟ إن الذاتية والأنانية وعبادة الذات مرض قديم وخمرة أسكرت نفراً من الكتاب والصحفيين فدارت برؤوسهم وأدارت تبعاً لذلك معارك فكرية، فإذا الكيان يتقطع وإذا الإصلاح يراوح مكانه، وإذا الضحية النمو المنشود والتنمية المستهدفة، فهل من إعادة لترتيب عقلنا من جديد؟.

إن استغلال الأحداث العصيبة والمحن التي تمر بها جماعة المسلمين استغلالاً دونياً والتحريش وإفساد ذات بينهم هَمٌّ شيطاني، وقلما يحدث ذلك إلا من معسكر لم يكتمل نظامه أو يتأكد ولاؤه، وما لم يرتفع الكتاب والإعلاميون لمستويات الأحداث، ويدركوا جدية الموقف بدلاً من الرسوم الكاريكاتورية الساخرة، ويتخلوا عن الأهداف الدونية؛ فإن النتائج لن تكون في مصلحة الجماعة والوطن بحال، وفي التنزيل (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت