فهرس الكتاب

الصفحة 23148 من 27364

الحمد لله ؛ أمر بالإصلاح، وامتدح المصلحين، ونهى عن الفساد، وذم المفسدين ، نحمده على ما منَّ به علينا من دين الإسلام، وبعثة خير الأنام، عليه الصلاة والسلام، ونشكره على تمام الدين، وكمال الشريعة، وأشهد ألا إله الله وحده لا شريك له ؛ خلق عباده فكلفهم ، وبدينه وشريعته ابتلاهم، وهو أعلم بما يصلح لهم ويصلحهم ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله؛ حذر أمته من دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها ، ووصفهم بأنهم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ؛ أتقى هذه الأمة ، وأسرعهم امتثالا لتعاليم الملة ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين0

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وكونوا صالحين مصلحين (ولا تطيعوا أمر المسرفين، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ) 0

أيها الناس: الصلاح غير الفساد، والإفساد مناقض للإصلاح ومعايير الفساد والإفساد، والصلاح والإصلاح، ومفهوم ذلك ومعناه وحقيقته تختلف باختلاف الديانات والمبادئ والأفكار التي يحتكم الناس إليها، ويصدرون عنها، فما تراه أمة من الأمم صلاحا وإصلاحا، قد يراه غيرها فساداً وإفسادا، لاختلاف الديانة التي يدينون بها، والشريعة التي ينتهون عندها، والفكرة التي يعظمونها0

وفي السنوات الأخيرة دعا كثير من الكتاب والمفكرين، والسياسيين والصحفيين في الدول الإسلامية إلى الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وكل داعية منهم يصدر في دعوته تلك عن أفكار يعتقدها، ومناهج يعتنقها، ربانية كانت أم بشرية، ويرى أن الفساد فيما يخالف دعوته، وأن من يعارضها فهو المفسد، ومع كثرة الاختلاف، وغزارة ما يلقى على الناس في شأن الإصلاح أضحى أكثر الناس في حيرة من أمرهم، لا يعلمون المفسد من المصلح، ولا يميزون الصادق من الكاذب في دعواه، وقضايا المرأة أنموذج حيٌّ لهذا التجاذب والاختلاف، فأقوام يدعون إلى تحرير المرأة من كل القيود، ومساواتها بالرجال من كل وجه، مدعين أن ذلك سبيل صلاح الأمة المسلمة، وطريق انتشالها من تخلفها وجهلها، وآخرون يرون أن هذه الأطروحات لا تريد الخير بالأمة، وإنما تغرقها في مستنقعات الإثم والفساد، وتجردها من أقوى سلاح يمتلكه المسلمون أمام الغرب، وهو الأسرة السوية في مقابل الأسرة الغربية المفككة0

والذي يجب أن يعلم، وأن يُسلِّم به كل مسلم يدين بالإسلام: أن الصلاح والإصلاح هو فيما جاء عن الله تعالى، وبلغته رسله عليهم السلام، وأن الفساد والإفساد هو ما عارض ذلك أيَّاً كان مصدره، ومهما كان وزن قائله، فشريعة الله تعالى فوق كل أحد؛ إذ إن الله تعالى هو خالق الخلق، ومدبر الكون، وإليه يرجع الأمر، وكل العقلاء يتفقون على أن صانع الصنعة أعلم بها من غيره، والله سبحانه أعلم بخلقه من كل أحد (( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ) (الملك:14) .

وهو أدرى بأحوال عباده، (( وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ) ) (البقرة:220) .

إن الصلاح والإصلاح هو فيما جاءت به الرسل عن الله تعالى، فالرسل عليهم السلام وأتباعهم هم المصلحون، ويدعون إلى الصلاح، ويحاربون الفساد؛ ولذلك قال شعيب عليه السلام في دعوته لقومه: (( وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ) ) (الأعراف:56) .

وأخبرهم أنه لا ينهاهم عن الفساد ويأتيه بل يجانبه صلاحا وإصلاحا، (( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ ) ) (هود:88) .

وأعداء الأنبياء عليهم السلام، المستكبرون عن اتباعهم، المعارضون لدعوتهم من الكفار والمنافقين، هم الفاسدون المفسدون؛ إذ أخبر الله تعالى عن كبار ثمود الذين كذبوا صالحا عليه السلام بأنهم: (( يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ) ) (النمل:48) .

وأوصى موسى أخاه هارون عليهما السلام بالإصلاح لمَّا استخلفه على قومه: (( وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) ) (الأعراف:142) .

ولكن أعداء الرسل عليهم السلام من الكفار والمنافقين لا يُقِرُّون بأنهم فاسدون مفسدون، بل يزعمون أنهم صالحون مصلحون، ويرمون الأنبياء وأتباعهم بالفساد والإفساد، كما فعل وزراء فرعون؛ إذ قالوا له: (( أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ) ) (الأعراف:127) .

وإخوانهم في هذا العصر يخاطبون الملوك والساسة في الدول الإسلامية قائلين لهم بلسان الحال أو المقال: أتذرون هؤلاء العلماء والدعاة ليفسدوا الناس، ويعرضوا المشاريع التغريبية في المرأة والأسرة التي كلها صلاح، وتقدم إلى شريعة قديمة لا تناسب هذا العصر0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت