يتكلم الناس كثيرًا عن أصول الإلحاد والفلسفة وما يتعلق بهما.. ويناضل من يناضل لأجل نشر الفكر الإلحادي... لكنه سرعان ما يعجز وينهزم أمام سور العقل السليم الذي يأبى الإلحاد وينكره.
وعلى الجانب الآخر نرى كثيرًا من الأفاضل يقفون للدفاع عن الدين الإسلامي ويستبسلون في ذلك جزاهم الله خيرًا وجعله في ميزان حسناتهم.
ولاشك أنه عمل عظيم يستحقون الإشادة بعملهم والثناء عليهم.
لكن ما رأيكم لو رجعنا للمسألة من جانب آخر ونتساءل فيه: لماذا الإلحاد؟ ولماذا اللادينية؟ ولماذا الانحراف الفلسفي التائه في الظلمات؟
بطبيعة الحال السؤال ليس موجَّهًا للمسلمين فهم في غنى عن ذلك كله بحمد الله.. لكنه موجه لأولئك الذين يعتنقون مثل هذه الأفكار الإلحادية واللادينية والفلسفية.
الإنسان يا سادة ابن نفسه قبل أن يكون ابن بيئته... هذه من المسلمات التي لا تقبل الشك يا سادة يا كرام.
فهل الملحدون أولاد أنفسهم؟
وهل اللادينيون أولاد أنفسهم؟
وهل الشاك في وجود الله ابن نفسه؟
أو الشاك في الحقيقة ابن نفسه؟
وهل صاحب الحقيقة النسبية ابن نفسه؟
الجواب بطبيعة الحال: ليسوا بأولاد أنفسهم.. بل هم قد خرجوا من أنفسهم واعتنقوا شيئا مخالفًا لأنفسهم ولطبيعتها ... ولذا تراهم في نكد مستمر وانفصام شخصية دائم ومتواصل .. يودي ببعضهم أحيانًا إلى الانسلاخ من الدنيا كلها والانتحار ليتخلص من عناء الانفصام بين نفسه وبين أفكاره المخالفة لطبيعته النفسية.
تتضح المسألة اكثر يا سادة إذا علمنا أن الإنسان كائن حي اجتماعي بطبيعته يتأثر ويؤثر في مجتمعه المحيط به.. لكنه قبل ذلك ابن نفسه .. فهو يحمل صفاتها.. ويمشي بجينات وراثية .. وطبيعة نفسية لا يتخلى عنها مدى حياته.
ومن الأولى والأرفق والأجدر به أن يحرص على التوافق بين طبيعته النفسية وبين ما يعتنقه .. وأن لا ينسلخ منها إلى عالم لا يتلاءم معها فيقع في انفصام الشخصية الذي ربما أدى به إلى الانتحار بعد رحلة عذاب مريرة في حرب دائرة صباحًا ومساءً بين الطبيعة النفسية الخاصة به وبين ما يعتنقه من أفكار مخالفة لطبيعته.
وسأضرب على ذلك مثلا مشهورا بيننا وهو استخدام المنهج الشكي للوصول إلى حقائق.. وهذا مثل غريب جدا.. فالشك ظن وليس بيقين.. ولذا فإنه من المستحيل أن نصل من خلال الشك إلى حقيقة ويقين... ولذا أخذت كافة قوانين نظريات الأرض وأوساطها العلمية والنظرية باستبعاد الأدلة التي يدخلها الشك.. وترك الاعتماد على نظريات وأقوال مشكوك فيها.
بل يا سادة إذا تردد خبر موت أحد الرؤساء في عصرنا... لكن في الوقت نفسه لم يتحقق الخبر .. وبناء على عدم تحقق الخبر سنرى الكل صامت يردد إشاعات ويعترف بإن الخبر لم يتحقق رسميًا.. وسيبقى الجميع في انتظار تأكيد رسمي يثبت الخبر من خلاله .. أو يصدر نفي رسمي يكذب الخبر.
معادلة بسيطة جدًا ومثال واضح كما ترون يا سادة يا كرام .. من خلاله نفهم أن الشك يستحيل أن يكون يقينًا.. ويستحيل أن يوصلنا إلى يقين... لأنه ليس يقينًا في نفسه.
تعالوا نرى الملاحدة واللادينين ماذا فعلوا؟
شك البعض في وجود الله.
وقال آخرون: الشك طريق لمعرفة وجود الله.
والبعض منهم يرى أنه يشك حتى في وجوده لكي يصل لوجوده.
وبعضهم يشك في شكه.
ونحن لا نطالبهم بشيء أبدًا إلا بأمر واحد فقط لو اعترفوا به فسيهدم المعبد على رؤسهم جميعًا وسيحطم أصنامهم!
والغريبة أنه ليس أمرًا صعبًا ولا جبلا عسيرًا.. ولكنه في غاية من البساطة والسهولة.. أو كما يقولون من السهل الممتنع.
أو هو القشة التي تقصم ظهر البعير.
وهو ببساطة يتلخص في الاعتراف بحياتهم... فقط يعترفون بأنهم أحياء... يمشون ويتنفسون.. ويأكلون ويشربون.. ولهم أسماء معروفه بين الناس.
لا نريد منهم أكثر من ذلك أبدًا.
أترون أبسط من هذه المطالب؟
كما قلت لكم يا سادة المسألة في غاية البساطة أو هي القشة يا سادة.
اعترافهم بحياتهم يعني إثبات حقيقة وجودهم... فالحقيقة هنا ستكون هي الأصل.. وأما الشك في وجودهم فشيء مخالف تمامًا لطبيعة أنفسهم الحية التي تمشي ويراها الناس جميعًا فكيف يشكون في وجودهم وهم موجودون بالفعل؟
يا سادة الموجودة بالقوة عند المناطقة غير الموجود بالفعل
الموجود بالقوة يا سادة هو ما يمكن تحققه لاحقًا أو في زمن قادم.
أما الموجود بالفعل يا سادة فهو الموجود حقيقة.
الإنسان الموجود هو ابن نفسه التي تعترف بأنها موجودة بالفعل .. وترى نفسها وهي تمشي في الدنيا آكلة شاربة تغدو وتروح في كل أرجاء الدنيا ... فالوجود هو الأصل فيها وليس الشك... ولذا فإن النظريات التي تستخدمها للوصول للحقيقة لابد وأن تكون لها نفس خصائص الوجود من الثبات وعدم التغيير واليقين بها.
موجود يقيني بالفعل .. لابد له من يقين مثله يناسبه... وهذا لا يوجد إلا في الإيمان بالإسلام الذي هو عين اليقين في كل نصوصه وقضاياه.