د. محمد مورو 5/6/1425
الإصلاح هو الاسم الكودي الذي تستخدمه الولايات المتحدة الأمريكيّة لتبرير التدخّل في شئون المِنطقة وإعادة صياغتها على الطّريقة الملائمة لها، ويصل الأمر إلى حدّ استخدام الإصلاح كمبرر للاحتلال العسكريّ كما حدث في العراق، وكما يمكن أنْ يحدث في دول أخرى، ومناطق أخرى وأحوال أخرى.
فالإصلاح هو الاسم الكودي للهيمنة، والنّهب، والاحتلال، وبسط النفوذ، وفرض الإرادات من الخارج. يمكن أنْ يكون الإصلاح أو يكون حماية الأقليّات ، كما كان من قبل الرجل الأبيض"مرحلة الاستعمار"،أو إنقاذ قبر المسيح من الكفّار المسلمين كما حدث إبّان الحروب الصليبيّة ، وهكذا فالمسألة في جوهرها ليست جديدة، بل هي جزء لا يتجزّأ من المحاولات المستمرّة في الزّمان والمكان، منذ ما يزيد على الألف عام؛ للقضاء على الحضارة الإسلاميّة التي تمثل الحقّ، والعدل، والخير، والحريّة، لحساب الاستكبار، والعنصريّة، والقهر، والعُنف، والنّهب.
موضوع الإصلاح الذي قفز إلى واجهة الأحداث، وشكّل النقطة الرئيسة في الأجندة الأمريكيّة منذ مبادرة"كولن باول"وزير الخارجيّة الأمريكيّة ، ثم خطاب الرئيس"بوش"حول ما يسمّى"بالشرق الأوسط الكبير"، ثم"الشرق الأوسط الأكثر اتساعًا"في قمة الثمانية الكبار في"سي إيلاند"بالولايات المتحدة الأمريكيّة في 8 يونيو"حزيران"2004 ، ثم قمّة الاتحاد الأوروبي ـ أمريكا المنعقد بإيرلندا في 26 يونيو 2004 أيضًا ثم أخيرًا في قمة حلف الناتو في اسطنبول يومي 28 ، 29 يونيو 2004 ، كلها أسماء لنفس المضمون، ولكن الجديد في المسألة أنّ تحويل المسألة من اختصاصات السياسيّين إلى اختصاصات العسكريّين متمثلاً في عرض الموضوع والحصول على خُطّة معيّنة من حلف الناتو وهو حلف عسكري أساسًا ، يعني أنّ المسألة ليست فقط ضغوطًا سياسيّة، ولا رُؤًى ثقافيّة بل هي في صميم عمل العسكريّة أي الاحتلال والجيوش، وهو ما يُسقِط القناع، ويكشف المضمون الحقيقي للموضوع، إنّه تبرير العدوان والاحتلال، ونشر النفوذ بالقوّة، وإجبار حكومات المنطقة على الاعتراف بإسرائيل، وتطبيع العلاقات معها، وإدماجها قهرًا في المنظومة السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة للمنطقة. ولعلّ هذه النقطة الأخيرة تُعطي عكس المطلوب عندما قالت حكومات المِنطقة:إنّه لا يمكن البدء في الإصلاح بدون حلّ مشكلة الصّراع العربيّ الإسرائيليّ ، فإذا بأمريكا تطور المشروع ليس باتجاه حلّ المشكلة ، بل بتكريس وجود إسرائيل وهيمنتها الإقليميّة بوضوح .
حصار العالم الإسلامي
عناوين المبادرات الصادرة عن القمم العربيّة المختلفة حول الموضوع تكشف عن المضمون الحقيقي لها، وهو الخضوع الكامل للهيمنة الأمريكيّة ثقافيًا واقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا والقبول الكامل بوجود إسرائيل والتعاون معها!! . وهو ما يرْشَح مباشرة من عُنوان قمّة الثمانية الكبار في ولاية"جورجيا"بالولايات المتحدة الأمريكية 6 يونيو 2004 وقد كان"مشروع الشرق الأوسط الموسّع وشمال أفريقيا"ثم قمّة أيرلندا التي كان عنوان مبادرتها"26 يونيو"هو"دعم مساعي حكومات المنطقة الرامية إلى تحديث بلدانها والمُضِيّ قُدُمًا في الإصلاحات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة وتشجيع حقوق الإنسان"ثم قمة"الناتو"باسطنبول 28 يونيو تحت عنوان"مبادرة اسطنبول للتعاون مع بلدان البحر المتوسط والخليج العربي".. ونلاحظ في هذا الصدد أنّ مبرر استمرار وتوسيع حلف الناتو بعد سقوط الاتحاد السوفيتي السابق والمنظومة الاشتراكيّة كان لمواجهة الخطر الإسلاميّ المزعوم، وقد عبّر عن ذلك في حينها عدد من قادة الحلف العسكريّين والقادة السياسيّين الغربيّين والأمريكيّين . وهكذا فنحن في مرحلة تنفيذ الخُطّة - المعتمدة أصلاً- وهي حصار العالم الإسلاميّ، والقضاء على أيّ مشروع وحدة إسلاميّة أو عربيّة، والهيمنة على المِنطقة (وربما احتلالها عسكريًّا) بدعوى محاربة الإرهاب!! . ولعلّ تصريحات"كوندا ليزا رايس"مستشارة الرئيس الأمريكي للأمن القومي تكشف حقيقة المسألة حين قالت في ديسمبر 2003 ـ أي قبل اجتماع حلف الناتو في اسطنبول 28 يونيو 2004 أو صدور مبادرة اسطنبول-:"إنّ المطلوب من"الناتو"أنْ يشارك في عمليّة التغيير في المِنطقة العربيّة، ومراقبة والتأكّد من الإصلاحات المتخذة في هذه البلدان". وبدهيّ أنّ المشاركة، والمراقبة، والتأكد عن طريق منظمة عسكريّة ،اللهمّ إلا إذا كان الهدف النهائيّ هو الاحتلال العسكريّ !
الخضوع التام للاحتلال