محمد مصطفى علوش - بيروت
13/1/1428هـ الموافق له 01/02/2007م
محاولات أوروبا لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط ليست بجديدة، فقد عملت على حل النزاع العربي الإسرائيلي غير مرة، ولأسباب نذكرها لاحقاً؛ إذ تعود الرغبة الأوروبية لحل النزاع العربي - الإسرائيلي إلى عام 1991م حين تمكنت الحكومة الإسبانية من جمع العرب وإسرائيل على طاولة واحدة للمرة الأولى، وقد اعتبر كثير من المتابعين أن ذلك اللقاء هو الذي ساهم في إطلاق العملية اللاحقة في أوسلو التي أدت إلى قيام الدولة الفلسطينية.
وفي نفس الاتجاه، وبمناسبة مرور (15) عاماً على مؤتمر"مدريد للسلام في الشرق الأوسط"؛ فقد انعقد في مدريد مؤخراً - وعلى مدار ثلاثة أيام - مؤتمر دعا إليه مركز (توليدو) الدولي للسلام والمعهد الثقافي، وقد شارك في المؤتمر الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، ورئيس مجلس التعاون الخليجي عبد الرحمن حمد العطية، ومبعوث الأمين العام لتنفيذ القرار 1559 (تيري رود لارسن) ، ومفوضة العلاقات الخارجية وسياسة الجوار الأوروبية (بينيتا فيريروفالدنر) ، كما شارك في المؤتمر - وبصفة شخصية وبموافقة حكومية - الناطقة باسم سوريا في مؤتمر مدريد بشرى كنفاني، ومدير الدائرة القانونية في وزارة الخارجية رياض الداودي، وقد شملت قائمة المشاركين الرئيس اللبناني السابق أمين الجميل، ووزير خارجية مصر السابق أحمد ماهر، والمستشار السياسي للرئيس المصري أسامة الباز، ومحمد دحلان، ومصطفى البرغوثي، وحنان عشراوي، وبين أعضاء الوفد الإسرائيلي وزير الخارجية الأسبق (شلومو بن عامي) ، ورئيس الاستخبارات العسكرية السابق (أوري ساغي) ، هذا بجانب وجود مسؤولين روس، ودوليين، وأوروبيين، وأمريكيين وخبراء أمثال مدير قسم الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية (روبرت مالي) ، ومدير قسم التخطيط السابق في الخارجية الأمريكية (سام لويس) .
وقد حملت كلمات وزير خارجية إسبانيا (ميغل انخل موراتينوس) دلالات واضحة، وخصوصاً أنه مبعوث سابق للسلام في الشرق الأوسط؛ إذ قال:"إن أي حل يجب أن يذهب أبعد من"خريطة الطريق"التي تجاوزها الزمن، وأن يشمل كل القوى الإقليمية"، وقد كانت دعت كل من فرنسا واسبانيا وايطاليا إلى دور أوروبي أكبر في إنهاء النزاع.
لماذا تقف أوروبا وراء هذا المؤتمر؟
تحاول الدول الأوربية بكل ما أوتيت من قوة السيطرة على الوضع القائم في الشرق الأوسط، أو أن تصبح لاعباً مهماً فيه، وذلك لأسباب حيوية واستراتجية.
تعلم الدول الأوروبية أن الوضع في الشرق الأوسط وصل إلى قمته في التأزم، وأنه قد يخرج عن السيطرة في أي لحظة، وبالتالي سيكون الوبال على الجميع، فأوروبا التي اعترضت على غزو الولايات المتحدة للعراق تشعر بقلق من الوضع الذي صارت إليه الأمور؛ إذ إن التقارير تشير إلى أن الخلاف السني الشيعي وصل إلى قمته في المنطقة، كما أن النفوذ الإيراني بلغ حداً قد يخرج إيران عن السيطرة، أو يشعل حرباًُ إقليمية جديدة، وهو ما نراه من تكثيف أوروبي واضح في المنطقة والذي ظهر مع قدوم قوات دولية إلى لبنان، وفي رأيي أن الاتحاد الأوروبي يرغب في عدم توتير الوضع في الشرق الأوسط من خلال دفع المسارات العالقة بين العرب وإسرائيل إلى الإمام وذلك عبر دعم مثل هذه المؤتمرات، والسبب بحسب ما أرى يعود للأمور التالية:
1-تتخوف من تصدير الصراع في الشرق الأوسط إلى أراضي الاتحاد، وهذا وارد جداً لوجود عدد كبير من المسلمين سنة وشيعة، عرب وغير عرب على أراضيها وبكثافة عالية نسبياً؛ إذ يزيد عدد المسلمين على أراضي الاتحاد عن 17مليون نسمة، كما أن إطلال أكثر من دولة محورية من دول الاتحاد على البحر المتوسط يشكل هاجساً دائماً للمعنيين بمستقبل الاتحاد من أي تدهور أمني في المنطقة العربية، أو دول الشرق الأوسط؛ حيث سيكون الاتحاد من أكثر المناطق استهدافاً وهذا ما لا يريده.
2-يريد الاتحاد الأوروبي الحد من الهجرة الشرعية وغير الشرعية القادمة من دول المغرب العربي والشرق الأوسط، والتي تشكل تهديداً حقيقياً على المدى البعيد على دول الاتحاد، هذا التهديد المتمثل في التغير الديموغرافي والديني والعرقي لدول أوروبا.
3-الحد من العمالة الشرق أوسطية التي تدفقت بشكل هائل خلال العقدين الأخيرين على دول أوروبا الغربية، وفتح الأبواب أمام العمالة من دول أوروبا الشرقية التي تتداخل حدودها مع الدول الأوروبية الغنية، وذلك في سبيل تحصين الاتحاد من الداخل على كافة الصعد.
4-للاتحاد الأوروبي مصالح حيوية واستراتيجية في منطقة ودول الشرق الأوسط لأهميتها الاستراتجية والنفطية على مستقبل الاتحاد، وبالتالي يريد أن يكون له دور مؤثر وفاعل، وهو ينافس بشدة الوجود الأمريكي في المنطقة، ويحاول الحد منه؛ إذ يجعله رهينة لموقفه، كما حصل بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وبروز الولايات المتحدة الدول الأقوى في العالم، والتي حاولت أن تحرك المجتمع الدولي بما يتفق مع مصالحها وتوجهات إدارات البيت الأبيض الدينية المتعاقبة.