الثلاثاء:17/08/2004
(الشبكة الإسلامية)
مما لا شك فيه أن الاستشراق منذ نشأته في أوروبا القرون الوسطى، قد عمل جاهداً على مقاومة الدعوة الإسلامية وهدم قيم الإسلام وأسسه الفكرية وذلك عن طريق تشويه صورة الإسلام بمفتريات وأكاذيب تمجها الآذان وتتقزز منها المشاعر، وكانت معظم هذه المفتريات ينصب بالدرجة الأولى على شخصية نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم بسبب يقين المستشرقين بأن صلى الله عليه وسلم يمثل الأساس في الرسالة الإسلامية، إذ إنه هو الذي بلغ الإسلام عن الله، وامتثله في نفسه وكوَّن أمة عظيمة على عاتقه.فإذا استطاعوا إلقاء أغشية على شخصيته فإن ذلك سيكفل لهم عدم انتشار رسالته ثم إدخال كثير من الريب والشكوك في قلوب الذين اتبعوه وآمنوه به.
ومن ثمَّ قالوا عن نبي الإسلام الطاهر، الصادق الأمين، بأنه كان رديء الولادة والسمعة وأنه عاش بربرياً بين برابرة، وثنياً بين وثنيين، وأنه تعلم ما نشره من الدين من راهب فر إلى الجزيرة العربية واسمه"سيرجونز"الذي اعتقد محمد أنه الملك (( جبريل ) )، وأنه كان ذا شهوات جامحة، متعجرفاً في الحياة وأنه قبل الوفاة حاول أن يعمِّد نفسه ولكن الشياطين منعته من ذلك!! وعندما مات أكلته الخنازير التي تعتبر من الحيوانات القذرة.
بالإضافة إلى هذه الادعاءات الكاذبة التي افتراها مستشرقو القرون الوسطى على أعظم شخصية في التاريخ وأكثرها عفة وطهراً، اخترع المستشرقون مفتريات أخرى حاولوا أن يصِمُوا بها أقدس جماعة بشرية في التاريخ كله، الصحابة الكرام وكذلك المسلمين بصورة عامة، فقد قالوا عن الصحابة بأنهم: (زمرة من منتهكي الحرمات المقدسة، وقطاع الطرق والسالبين، والقتلة واللصوص) ، وقالوا عن المسلمين بصورة عامة بأن سبب إسلامهم:
1-إما أنهم خدعوا بالشيطان بسبب سذاجتهم .
2-أو حذوا حذو أقربائهم ولو قاد ذلك إلى الخطأ.
3-أو للحصول على المنافع المادية.
وقالوا عن المسلمين أيضا بأنهم يعبدون محمداً في المساجد، وأنهم شعوب ينتمون أساساً إلى السيف.
أما عن الإسلام فقد قالوا عنه بأنه (مجموعة من العقائد المسيحية واليهودية والوثنية) ، وأن العنف من مكوناته، وأنه لا يقبل الخلاف العقلاني، وأنه رمز للتعصب واللاإنسانية وأنه منبع المبالغات والانحرافات في أنظمة الفكر.
وقالوا عن القرآن الكريم بأنه غير منطقي وغير معزز بالمعجزات.
هذه بعض النماذج من الإفك الأثيم الذي أنتجه الفكر الاستشراقي وروجه في عرض العالم الغربي وطوله منذ العصور الوسطى. وإذا كان هذا الإفك الاستشراقي لم ينجح في طمس معالم الإسلام وزعزعة أركانه إلا أنه نجح إلى حد كبير في وقف أو على الأقل إبطاء انتشاره في العالم الغربي المسيحي على وجه الخصوص، إذ إن الإنسان الغربي كلما كانت تطرق إذنه لفظة الإٍسلام أو ما أسموه بـ (المحمدية) فإن تلك الصور البشعة والمرعبة كانت تتمثل أمام ناظريه، فيفر من الإسلام فرار الظبي من الأسد، ولا شك أن كثيراً من هذه الصور لا تزال عالقة في العقل الأوروبي إلى اليوم مما يجعله ينظر إلى الإسلام بكثير من الشك والريب والتوجس.
انعطافة في الفكر الاستشراقي
وإذا كان استشراق القرون الوسطى قد مارس هذا النوع المخزي من الهجوم ضد الإسلام بهدف حماية المسيحيين من التأثير الإسلامي - بسبب ما كان يجسده في تلك الفترة من قوة تبشيرية عارمة - ثم محاولة جعل المسلمين يعتنقون الإسلام فإن الاستشراق في نهاية القرون الوسطى قد أخذ ينحو منحى أخر. فقد أصبح الأوروبيون أكثر تقدماً في مجال الفلسفة والطب والعلوم الأخرى بعد أن كان المسلمون أساتذتهم فيها، وبدا لهم أن تحويل المسلمين عن دينهم لكي يعتنقوا المسيحية بهذا الأسلوب العنيف شيء مستحيل.
من هنا أصبحت تلك الخطابات الاستشراقية العنيفة في طور الانحدار والأفول، لتتخذ مكانها ممارسات استشراقية أقل عنفاً وأكثر ذكاء، ولعل عصر النهضة قد قدم للاستشراق آليات جديدة لممارسة المماحكات الهجومية المخفية والمختبئة خلف الجهاز الأكاديمي الثقيل، فقد قدم عصر النهضة التقنيات الفيلولوجية التي تم بلورتها من أجل دراسة النصوص اللاتينية والإغريقية والعبرية، كما قدم أنواعاً أخرى من المناهج في مجال البحث والدراسة والتي من أهمها منهج البحث التاريخي الذي تبلورت صورته الغربية على حساب خروج الغرب كلياً من الدوغماتية الدينية (ولم يخرج منها فقط بعض الأفراد أو بعض التيارات وإنما مجمل الأوساط العلمية بمن فيهم أعضاؤها المؤمنون أنفسهم) لقد انخرطوا جميعاً على طريق البحث الذي يحيد تدخل الله في التاريخ ومسيرة المجتمعات وآليات مسيرتها، فأصبحوا يدرسون النصوص والقصص المقدسة عن طريق استبعاد أية سببية غير السببية المرتكزة على القوانين المشتركة لحركية المجتمعات البشرية أي أن دراسة الدين أصحبت تتم بعيداً عن فكرة الوحي، بل باعتبار أنه ظاهرة من الظواهر الاجتماعية التي تولدت بسبب عوامل اجتماعية وتاريخية.
الاستشراق الحاضر