فنحن، إذن، بحاجة إلى تطوير المناهج الموجودة أصلاً في تراثنا الغني، وكل ما نحتاج إليه هو إعادة إبراز تلك المناهج بقوالب معاصرة، وخلع الهيبة الأكاديمية الحديثة عليها، فما يتبجح به الغربيون من المناهج ليس إلا اقتباسات مما أبدعه العلماء العرب والمسلمون من المناهج في عصور الازدهار العلمي الإسلامي، فكل ما فعلوه هو تطوير تلك المناهج وإحداث بعض تعديلات طفيفة حتى يتساوق مع النسق الغربي في التكفير والتأمل ثم تجربة تلك المناهج في مجالات أوسع كما اقتضته طبيعة العصر.
فمسألة تطوير المناهج لكي تواكب مصطلحات العصر ليس من الأمر المستحيل، وأقل ما يمكن فعله في هذا الإطار هو القيام بعملية الغربلة والانتقاء، وإعادة صياغة ما يتوافر لدى الغرب من مناهج البحث والتفكير وفقاً للتوجهات والمفاهيم الإسلامية ثم قولبة الفكر الإسلامي وفقاً لخطوات ومصطلحات تلك المناهج الحديثة، وبهذه الصورة أظننا نستطيع أن نقف في وجه المستشرقين ونبطل ما يبدونه من عنهجية ويمارسونه من تطفل وتشويش على الفكر الإسلامي النقي الذي هم بعيدون عن كل البعد، قلباً وقالباً.
إنشاء علم الاستغراب
وأمر آخر ينبغي فعله في إطار مناهضة الاستشراق وهو إنشاء علم (الاستغراب) في جامعاتنا ومعاهدنا المتخصصة بغية استيعاب الغرب واحتواء توجهاته وميوله الفكرية وكذلك كشف البنية التحتية للعقلية الغربية حتى تكون مناهضتنا للغرب والاستشراق الغربي متسمة بالدقة والإتقان ويكون خطابنا وردودنا نابعة عن موقف المسؤولية العقلية والنضج الثقافي وعلى مستوى الوعي الغربي والعقلية الغربية، ولعل إدوارد سعيد يمثل معلماً رائعاً في هذا الطريق.. فالرجل عربي فلسطيني حاول استيعاب الغرب وتوجهاته الاستشراقية استيعاباً أقل ما يمكن وصفه بأنه يتصف بكثير من الجدية والإتقان ، ثم هو بحكم معايشته الغربيين لمدة طويلة أتقن أسلوب مخاطبة العقلية الغربية مما جعل كتابه الذي أصدره عام 1978 ميلادي (بالإنجليزية) متناولاً فيه موضوع الاستشراق يحدث دوياً كبيراً في الساحة الثقافية الغربية بصورة عامة وفي محيط الاستشراق بصورة خاصة، وأظن أننا لو سرنا على خطى إدوارد سعيد وأسسنا دوائر متخصصة لإنجاز مثل هذه الأعمال فإننا سنحقق الكثير في سبيل الرد على التحدي الاستشراقي بجدارة وإتقان.
ــــــــــــــــــــــــــ
الدعوة إلى الله:"محمد شمس الحق"