عبد القادر قلاتي
الفكر الإنساني بلا تجديد ركود ناشز، فطبيعة الإنسان وفطرته تدعو إلى التجديد والتطوير، بل تعتبر عملية التجديد نسيج متلاحم للفكر الإنساني على اختلاف الأنساق الفكرية والعقدية، وهو شريان من شرايين البقاء في الحياة على صورة من العيش الكريم، ومعايشة التطور البشري بجميع أشكاله، سواء تلك التي يكون للإنسان دخل فيها، أم تلك التي يكون مجبرًا عليها، مساقًا إليها.
وكل محاولة للتجديد لا بد لها من محركات فكرية وعقدية وثقافية وحضارية، تشكل الأساس الذي تتحرك منه، والقاعدة التي تسير عليها، وتعطي معرفة بأهداف هذا التجديد، والغرض من وراء تلك العملية التجديدية.
ويعتبر المنطلق العقدي من أهم المنطلقات في عملية التجديد؛ إذ يحدد الوجهة المرادة، والطريق المسلوك. ولا بد للمجموعة البشرية التي تنظر إلى هذه العملية أن تراعي منطلقها العقدي.
ولكن هل يعني هذا أن المكون العقدي هو الأوحد في تشكيل عملية التجديد؟ وهل الاطلاع على النماذج والأنساق الأخرى والاستفادة منها تُعَدّ عائقًا عن السير في الطريق الصحيح لهذه العملية؟ وهل من العيب أن ينظر إلى الأنساق المغايرة للمنطلق العقدي أثناء إنشاء عملية التجديد؟ وهل لهذا أثر في تحديد الاتجاه المراد، وما يراد منه في نطاق المجموعة البشرية التي تقوم بهذه العملية التجديدية؟
وهل يتطلب الانفصال الحاد حتى يكون هناك نوع من التمايز والمغايرة والاستقلالية في طبيعة عملية التجديد؟
وهل للمواطنة في أرض غير التي نشأ فيها الإنسان أثر في تشكيل العقل التجديدي، سيرًا وراء التغيرات الاجتماعية والفكرية بحكم المخالطة المتغايرة، والمعايشة المتباينة، مما قد يحيد به عن التمايز الذي يبرزه المنطلق العقدي مع المواطنة التي تولد من وطن النشأة.
وما هو الطريق الأسلم للوصول إلى أسلمة المعرفة بنوع من الجمع بين الأصالة والمعاصرة؟
هذه الإشكاليات طرحها الباحث الجزائري عبد القادر قلاتي في ورقته حول تجديد الخطاب الديني.
بناء التجديد في النمط الغربي
عبد القادر قلاتي
لا يمكن أن نحدد شروطًا موضوعية لتتم عملية التجديد في حقل التداول الإسلامي دون توقف هذه المحاولات التي تتم بعيدًا على النصوص المؤسسة لتراثنا الديني. والتي تعمل على الاستنجاد بمفاهيم تشكلت خارج هذا الحقل التداولي. لتصوغ مفاهيم هامشية لا تلمس بنية التراث وإطاره العام، ومن ثَم لا يطال مجهودها سوى ما تشكل في التاريخ من نصوص أفرزتها قراءات تمت حول هذه النصوص المؤسسة (القرآن والسنة) . والتي ارتبطت بسياقات تاريخية وحيثيات وليدة تلك اللحظة التاريخية، وإذا كنا نشترط إبعاد هذه المحاولات، فإننا لا نملك اشتراط إزاحة مجهودها الذي قارب القرن ونصف القرن.
وفي محاولتنا لتحديد الشروط الموضوعية التي يجب أن يستوفيها حصول عملية التجديد بعيدًا عن الأنساق المعرفية والأنماط الحدثية التي ترتبط بحقل تداولي آخر. يستوجب ذلك التقدير السليم للحقيقة الدينية التي تختلف اختلافًا بينًا عن المعايير الفلسفية التي تطبع النمط الحداثي الغربي. ذلك أن"مسالك الغرب في التحديث بُنيت أصلاً على أسس عقدية وقواعد مذهبية تعارض الحقيقة الشرعية الإسلامية. وكل من اتبع هذه المسالك الحداثية من غير إتمام التبصر بسياقاتها العقدية وكامل التبين لآثارها ومآلاتها القريبة والبعيدة، لا بد أن يقع في الإضرار بعقيدته الدينية وبعمله الشرعي، ذلك أن هذه المسالك قامت على صنفين من الفصل: أحدهما: فصل العقل عن كل دلالة على الغيب، ومن المعلوم أنه لا عقل في الإسلام إلا ممن أدرك هذه الدلالة الغيبية وعمل بها؛ والثاني، فصل العلم عن الأخلاق"1، وهنا يكمن الخلاف المعرفي بين النمطين المذكورين. ذلك أن العقل والعلم يمثلان المستند بالنسبة لكلا النمطين، فالحداثة الغربية تستند إلى العقل بعيدًا عن كل دلالة غيبية وعن العمل عندما يتجرد من كل دلالة خلقية.
وهذا ما يدفعنا للبحث عن نمط مخالف يبقي للدلالة الغيبية والخلقية حضورها عند كل محاولة للتجديد لما للدلالتين من ارتباط بهذين الصنفين؛ لذا يجب أن نطلب نمطًا تحديثيًّا مغايرًا، لما كنا قد سلمنا به منذ الإرهاصات الأولى للمشروع التجديدي الذي يزيد عن قرن ونصف إذا اعتبرنا لحظة التجديد بدأت مع الحركة الوهابية، واعتبرنا هذه المحاولة أولى حلقات ما قد نسميه بالتجديد الذاتي الذي تم بعيدًا عن فتنة النمط الحداثي الغربي الذي هيمن على كل المحاولات التي جرت هنا أو هناك في عالمنا العربي والإسلامي.