فهرس الكتاب

الصفحة 25218 من 27364

الحمد لله قاهر الجبابرة ومعز المؤمنين وناصرهم ، والصلاة والسلام على خير المجاهدين وقائدة الغر المحجلين المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:-

يسأل كثير من المسلمين هذه الأيام لا سيما بعد بدأ الحرب الصليبية الجديدة الشاملة على الإسلام والمسلمين ويقولون: ما هو دورنا وماذا نفعل لنصرة الإسلام والمسلمين ؟ .

وكنت أعتقد أن مثل تلك الأسئلة أصبح الجواب عنها لدى المسلمين بديهياً لكثرة تكرارها ، إلا أن هذا السؤال تردد كثيراً هذه الأيام ، ويتردد مع كل قضية وجرح جديد للأمة ، ولا أعرف ما هو سبب جهل الناس بدورهم في معركة الإسلام اليوم ؟! .

رغم أن كل قارئ لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم يتضح له دوره في هذه المعركة بمجرد قراءته لآيات الجهاد ونصوص السنة ، ولن أستعرض النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة التي توضح دور كل مسلم ، ولكني سأقف فقط مع نص واحد من نصوص المصطفى صلى الله عليه و سلم وضّح فيه الرسول صلى الله عليه و سلم دور كل مسلم بصيغة الأمر الواجبة التي لا تسقط بحال عن ذمة المكلف .

روى الإمام أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه والدارمي وغيرهم عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ) وفي رواية النسائي ( وأيديكم ) بدل أنفسكم ، قال الحاكم هذه حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه .

قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار 8/29"قوله ( جاهدوا المشركين .. إلخ ) فيه دليل على وجوب المجاهدة للكفار بالأموال والأيدي والألسن ، وقد ثبت الأمر القرآني بالجهاد بالأنفس والأموال في مواضع ، وظاهر الأمر الوجوب".

ولست بصدد تفصيل حكم الجهاد ومتى يتعين ومتى لا يتعين ، ولكنني أريد أن أبين هنا مهمة كل مسلم ووظيفته في مجاهدة الأعداء ، إذ أن الرسول صلى الله عليه و سلم ذكر في الحديث المتقدم أصول سبل الجهاد ضد العدو الكافر ، فذكر ثلاثة أصول من أربعة:

الأصل الأول:

الجهاد بالنفس أو اليد وهذا أعلى مراتب الجهاد وأكملها ، وقال ابن حجر رحمه الله"إن نصوص الكتاب والسنة إذا جاءت بذكر الجهاد مطلقاً ولم تقيده ولم تضفه إلى المال أو اللسان فإنها تنصرف إلى الجهاد بالسيف باتفاق السلف"والجهاد بالنفس هو أعلى مراتب الجهاد لذا فقد رتب الله عليه أكمل الأجر وعقد الصفقة ببيع الجنة للمؤمن مقابل نفسه أولاً كما جاء في سورة التوبة { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } فهي الآية الوحيدة من آيات الجهاد التي يقدم الله فيها النفس على المال وذلك لما كانت السلعة غالية اقتضى أن يكون الثمن غالياً مثلها أيضاً .

ويتفرع عن الجهاد بالنفس ، الواجب على المؤمنين الرباط و تدريب المجاهدين وإعدادهم والاستطلاع لهم في ميادين المعركة وغير ذلك من المجهودات البدنية التي تجب على المسلم القادر في هذه الأيام وجوباً عينياً كما أجمع العلماء على ذلك ، بأن أرض المسلمين إذا دهمها العدو فقد تعين الجهاد على كل مسلم قادر .

الأصل الثاني:

من أصول السبل التي ذكرها الرسول صلى الله عليه و سلم في الحديث المتقدم أيضاً قوله ( وأموالكم ) فالجهاد بالمال كثيراً ما يقرن في آيات الجهاد في القرآن ، ويأتي مقدماً على النفس لكنه ليس أعلى مرتبة من الجهاد بالنفس كلا ، ولكن لأن الجهاد بالمال هو النوع الذي تخاطب بها الأمة أجمع ، إذ أن الكفاية بالرجال تحصل عند نفور عدد من رجال الأمة ، ولكن المال لا تحصل كفاية المجاهدين به إلا إذا تكاتفت الأمة جميعها وضخت المال للمجاهدين الذي يعد عصب الجهاد ، فالشريحة المخاطبة بوجوب الجهاد بالمال هي أكبر من الشريحة المخاطبة بوجوب الجهاد بالنفس ، لذا قُدم الجهاد بالمال في آيات الجهاد لاعتبار سعة شريحة المخاطبين من رجال ونساء شباباً وشيوخاً صغاراً وكباراً والله أعلم .

والجهاد بالمال ليس بالضرورة أن يكون قدراً كبيراً من المال يدفعه المؤمن ، بل يدفع ما يبرئ به ذمته أمام الله تعالى ، لأن المقصد من الجهاد بالمال إذا تعين أن تسقط الواجب الذي في عنقك وتدفع القدر الذي تعتقد أن ذمتك ستبرأ عند الله تعالى بدفعه ولو كان يسيراً ، وكما قال الرسول صلى الله عليه و سلم عند أحمد النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( سبق درهم مائة ألف ) قالوا يا رسول الله وكيف ؟ قال ( رجل له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به ورجل له مال كثير فأخذ من عرض ماله مائة ألف فتصدق بها ) فالله لا يقبل الصدقة بناءً على كميتها ولكن يقبلها على حسب كيفيتها ، كما روى أحمد وأبو داود عندما سئل الرسول صلى الله عليه و سلم أي الصدقة أفضل ؟ قال ( جهد المقل ) أي صدقة الرجل المحتاج لماله الذي لا يملك إلا القليل ، فاتق الله وقدم ما تجود به نفسك ، ليس لمرة واحدة فقط بل اجعل للجهاد من دخلك نصيبا بما أن الحرب قائمة والمجاهدون بحاجة للمال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت