طارق معدي آل مستنير
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين، نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم... أما بعد:
منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر ونحن نقرأ ونسمع عن حملات الهجوم والانتقاد الشرسة للمناهج الدراسية في بلادنا سواءاً من أبناء جلدتنا من كتاب وصحفيين ومثقفين، أو من أعدائنا في الخارج، مما يدفع المرء أن يتساءل: ما هو مصدر ومكمن الخلل؟ وأين كانت هذه الحملات المطالبة بالتغيير قبل أزمة سبتمبر؟ وهل حقيقة أن ما يسعى إليه أصحاب هذه الحملات نابع من غيرة على الدين وعلى مستقبل البلاد والمسلمين والقضاء على الإرهاب العالمي والتطرف المتفشي بسبب هذه المناهج التي تدرس في بلاد المسلمين كما يزعمون؟
لقد أصبحت هذه المناهج هي الشماعة التي يعلق عليها المنهزمون والضعفاء فشلهم، وأصبحت السبب الرئيسي لكل ما يجري في العالم بأسره من الجرائم والمصائب والنكبات والتخريب والفساد على حد قولهم، وقادت هذه الحملة أمريكا وطبل لها المطبلون، وسخر الصحفيون والمفكرون أقلامهم وطاقاتهم لمساندة هذه الادعاءات الباطلة، وهل يراد فعلاً بهذه الجلبة محاربة الإرهاب وإحلال السلام العالمي كما يظهرون؟
كلا لن ولم تكن هذه غايتهم، بل جل اهتمامهم وغاية أطماعهم وأهدافهم هو طمس معالم ديننا وتاريخنا، وإبعاد المسلمين عن مصدر قوتهم وإيمانهم المستمد من القرآن لتصبح أمتنا الإسلامية شخصية بدون هوية، وإفقادهم عزتهم وزرع الخور والانهزامية في نفوسهم، وبث أفكارهم المسمومة وأخلاقياتهم المنحلة في شبابنا قال الله - تعالى-: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) (1) ، فغايتهم ورضاهم أن نسلك طريقهم ونتبع دينهم.
قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
"ولا يقف مراد الغربيين عند حد قبولنا عقلية الغرب فحسب؛ بل يتعداه إلى محاولة خلق دائرة فكر تهدم بناء المسلمين والعرب، وتنتقص فكرهم، وتشيع فيهم الشبهات والمثالب، ثم لا تدفعهم إلى أي جانب من جوانب البناء أو النهضة أو أي فكر آخر" (2) ، ويكمن هذا العداء للإسلام واضحاً في الحروب والدمار التي سببته أمريكا في أفغانستان والعراق، فقد أظهرت نواياها الخبيثة والدفينة بكل استكبار واستعلاء بالرغبة في السيطرة والهيمنة على العالم بأسره، وكسح أي قوة تعترضها أو تشكل خطراً على زعامتها للعالم والتي تتمثل في القوة الإسلامية، فمن جملة ما يؤيد هذا ما قاله الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش:"كانت الولايات المتحدة على مدى قرنين من الزمان هي مثل العالم الأعلى في الحرية والديمقراطية، وقد حملت أجيال متعددة راية النضال للحفاظ على الحرية، وتعظيم المكاسب التي حققتها... واليوم وفي عالم يتحول بسرعة شديدة فإن زعامة الولايات المتحدة لا غنى عنها" (3) ، نحن أمة تستمد ثقافتها ومنهجها وجميع علومها من كتاب الله الذي به صلاح كل من تمسك بما فيه من تعاليم وأحكام وتشريعات قال الله - تعالى-: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) (4) أي في كل شؤون الحياة يهدي للتي هي أقوم، في الاقتصاد، وفي السياسة، وفي الاجتماع، وفي الإعلام، وفي الإدارة، وفي كل الأمور، وقد بين هذا الدكتور عمر الأشقر بقوله:"أما الثقافة الإسلامية فإن أصولها العقائدية والأخلاقية والعملية وحي إلهي رباني، فالإسلام هو الذي أنشأ عقائد الأمة الإسلامية وتصورها وأخلاقها وقيمها، وهو الذي حدد مسارها وبين منهجها ووضع لها قانونها وأقام لها الضوابط التي تعصم الفكر من الانحراف، وهيمن الإسلام على الدراسات الإنسانية، وقوم الفنون التي تمارسها الأمة" (5) ، وإن ما يحزن القلب، وتدمع له العينين شفقة على من ينخر في صرح الإسلام القويم من داخل أسوارها من المنتسبين إلى الإسلام والمسلمين،"إنك حين تنظر في أي قضية من قضايا الإسلام وبخاصة في أزمنة الضعف والاضطهاد للمسلمين فإنك تجد أن رؤوس النفاق يتبينون فيها ويكشرون عن أنيابهم، فيظاهرون المشركين والعلمانيين، ويؤيدونهم ويسخرون كل ما أعطاهم الله - تعالى - في نصرتهم" (6) .