فهرس الكتاب

الصفحة 5440 من 27364

العمل الإسلامي: مرحلة مجتمعية

من النخبوية إلى المجتمعية ومن الهرمية إلى الشبكية

إبراهيم غرايبة 23/12/1423

بدأ العمل الإسلامي والنهضوي فرديا ثم تحول إلى مؤسسي، والمطلوب اليوم أن يتحول من النخبوي والتنظيمي إلى مجتمعي تؤديه الأمة كلها، فالتحدي هنا أن تقوم المؤسسات والحكومات والجماعات بنقل الخبرات التي لديها إلى المجتمع كله، وأن تشاركها الأمة المسؤوليات والأدوار والأعمال، وهنا تؤدي الشبكية إلى ربط الأعمال وتنسيقها، وسد الثغرات، ودعم الحلقات الضعيفة وتقويتها.

ونشاهد اليوم لدى الأمة الكثير من المظاهر والإنجازات التي تدل على إمكانية نقل الدعوة والإصلاح والهم العام من نخبة إسلامية في أعلى هرم الأمة إلى الأمة كلها، فالمساجد اليوم تمتلئ بالرواد من الناس الذين لا ينسق وجودهم في الصلوات والدروس جماعة ما كما كان الأمر قبل عشرين سنة أو أكثر، حين بدأت الصحوة الإسلامية بالنمو والانتشار، ولكن الإقبال على المساجد حالة مجتمعية عامة، والأمر نفسه ينطبق على رحلات الحج والعمرة والحجاب والأشرطة الكاسيت والإعلام وغيرها من البرامج التي بدأت نخبوية تقوم عليها وتنسقها جماعة إسلامية منظمة وصارت اليوم حالة مجتمعية عامة.

وامتدت الصحوة الإسلامية إلى دول وأقطار ليس فيها وجود لجماعات إسلامية منظمة، كما شملت فئات من المجتمع ليس من بينها في العادة من ينتظمون في الجماعات الإسلامية.

وقامت مؤسسات استثمارية تجارية لا علاقة لها بحكومة أو جماعة مستمدة أساساً من إقبال الناس ورغبتهم بتطبيق الشريعة الإسلامية، مثل البنوك الإسلامية التي تزيد موجوداتها على المائة وخمسين مليار دولار، وشركات التأمين الإسلامية.

ويقابل هذه الحالة صورة أخرى مردها إلى عدم رعاية الصحوة الإسلامية وترشيدها واستثمارها على نحو إيجابي، ونعني التطرف والتدين المنقوص المشوه والإرهاب المنسوب إلى الإسلام، ولا نقلل من شأن هذه المشكلات، ولكننا نعتقد أنه يمكن تحويل هؤلاء المتدينين إلى أعمدة في الإنتاج والإصلاح والاستقرار بدلاً من استدراجهم ليكونوا أعداء لبلادهم، ومصدر إعاقة للنهوض والتنمية.

فأبناء الصحوة الإسلامية والمتدينون أغلبهم من المتعلمين والمثقفين الذين تخرجوا من الجامعات في بلادهم وفي الدول لغربية المتقدمة، هم يرون في الدعوة الإسلامية مصدر حراك للمجتمع يصلحه وينميه، ويمتلكون رؤى برامج في الإصلاح يتحمسون لها، فالتدين يعطي الدافع والحماس لمشروعات حياتية وتنموية تقلل كثيراً من تكاليفها وتجعلها منسجمة مع ضمائرهم وتطلعاتهم.

إن الحكومات والمؤسسات يمكن أن تجد في الدعوة الإسلامية مورداً كبيراً لو استثمر استثماراً صحيحاً، فإنه سيخفض كثيراً من النفقات والجهود المبذولة مع فاعلية ونجاح أكبر في تحيق الأهداف، وبخاصة في مكافحة الجريمة والإدمان والتفكك الأسري، وبرامج العمل التطوعي، والتعليم المستمر، وتأهيل الأسر والمجتمعات المحلية وبرامج البلديات والنقابات، وغير ذلك كثير مما يمكن تفعيله، والحصول على أفضل النتائج بأقل التكاليف.

ويقدم تقرير"الحالة الدينية في مصر"الصادر عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية مداخل متقدمة و مهمة لفهم حراك المجتمع العربي وتفاعلاته، وبخاصة أن مصر تمثل قلب الوطن العربي وبارومتر حياته العامة والسياسية.

لقد أصبح موضوع العلاقة بين الدين والحياة العامة أهم الموضوعات التي شغلت بها دراسات العلوم السياسية في الجامعات ومراكز البحوث والدراسات والمؤتمرات والندوات فضلاً عن الصحافة والإعلام، وقد كانت معظم الصراعات والحروب في السنوات العشر الأخيرة يشغل الدين موقع القلب فيها، وكانت الدراسة الشهيرة لـ"صمويل هنتنغتون"عن صراع الحضارات التي نشرت في مجلة الشؤون الخارجية الأميركية قد أثارت جدالاً واسعاً لم يتوقف حتى اليوم.

إن النظرة العلمية إلى الحالة الدينية يجب ألا تستغرقها ظاهرة الأصولية الإسلامية، فقد تنامت أيضاً الأصولية المسيحية واليهودية وربما الأصوليات الأخرى، كما بدا واضحاً في الانتخابات الهندية حيث نجحت الأصولية الهندوسية أكثر من أية فترة سابقة، وحتى الأصولية الشاملة لا تمثل إلا جزءاً قليلاً من الظاهرة الدينية، إذ إن المؤسسات الدينية التقليدية كوزارات الأوقاف والأزهر في مصر والكنائس تؤدي دوراً متنامياً في الحياة العامة.

والعودة إلى الدين تحولت إلى ظاهرة اجتماعية، قد تكون مسألة الفنانات المتحجبات واحدة من تجلياتها الإعلامية التي امتلكت دوياً إعلامياً ولكنها تتعدى ذلك إلى أوساط اجتماعية عديدة، ويلاحظ في مدينة عمان كيف تنتشر مساجد في أحياء مقتصرة على الأغنياء، تمتلئ بالمصلين في جميع الأوقات، ولعل من أطرف المشاهد في هذه المساجد هي مجيء نساء غير محجبات للصلاة في هذه المساجد، وربما يكون هذا الاتجاه يحمل بعداً نفسياً وسلوكياً للبحث عن الشخصية والهوية وعن توازنات نفسية وثقافية جديرة بالبحث والتفكير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت