صلاح الصاوي 23/2/1423
وماذا بعد الحصار؟ سؤال يتردد على كل لسان، ويقرأ في كل عين، ويتقاول به الناس في كل مجلس، وقد بهرتنا الشدائد وأجهدتنا المفاوز، وفدحتنا الضحايا، وبتنا كالقافلة المكروبة تتخبط منذ زمن طويل في مجاهل الأرض وخوادع السبل، وأدلاؤها الغواة يلتهمون زادها مع الوحش، ويقتسمون مالها مع المغير، ويغتنمون ضلالها مع الحوادث!!
وماذا بعد الحصار؟! لقد أيقظت هذه الانتفاضة المباركة روح الجهاد في الأمة، وفجرت العربدة الصهيونية وما ارتكبته من مجازر بشعة في أرض المعراج براكين الغضب في أعماق كل من يؤمن بالله واليوم الآخر، وربما في أعماق بعض من لا يؤمنون كذلك! فقد تجاوزت كل حد، وفاقت كل خيال، وسوف تظل جرحا نازفا في ضمير أجيال كاملة، إلى أن يمُنَّ الله على هذه الأمة بتأييده، ويرفع عنها مقته وغضبه.
لقد تجاوب الحِسُّ الإسلامي العام مع ما يجرى على أرض المعراج من أحداث، وعبر عن ذلك في صورة هذه المسيرات الحاشدة التي طوفت أرجاء العالم الإسلامي، ترسل رسالة سخط ولعنة إلى الطغاة، وترسل رسالة حب وتأييد إلى المجاهدين والمرابطين، كما تجاوبت -إلى حد ما- بعض القيادات العلمانية المتنفذة، فلم تسحق هذه المسيرات، ولم تتهمها هذه المرة بالعمالة أو الخيانة أو التآمر لقلب نظام الحكم كما كان ديدنها في التعامل مع مثل هذه الأحداث، وبدا الإعلام العربي متجاوبا - إلى حد كبير- مع هذه الأحداث؛ لأن عواصفها لم تستهدف أهل الإيمان وحدهم، بل استهدفت معهم كرامة هذه النظم وشرعيتها، وأوشكت أن تأتي على بنيان بعضها من القواعد، بالإضافة إلى ما خلفته من تشويه بالغ لصورة هؤلاء أمام شعوبهم وحلفائهم.
ولكن هذا الوضع - فيما يبدو- لن يستمر طويلا، لقد تعوّد أهل الباطل أن يسارعوا إلى تغيير مجرى الأحداث إذا بدأت في التحول لصالح أهل الإسلام، والذي يظهر من قراءة الأحداث- والغيب لله- أن القوم سيتداعون إلى مؤتمر سلام يتقاسمون فيه على إدانة ما نعتوه بالإرهاب ( الجهاد المسلح، والعمليات الاستشهادية، وكل ما يرتبط بها من وسائل وأسباب مادية أو معنوية ) ويتدافعون فيه إلى التوقيع على وثيقة سلام، تفرض تحت الحصار، وتحت تهديد الآليات العسكرية، نفس الآليات التي أشاعت الخراب والدمار في جينين، وقلقيلية، ونابلس، وطولكرم، ورام الله وغيرها!! وسوف تتحول جميع النظم العربية إلى مخافر ومسالح ترعى الكيان الصهيوني ، وتؤمن وجوده، وتسحق كل محاولة لاختراقه أو النيل منه!
وسوف تحجب عن الشرعية بالتبع كلّ أو جلّ الجهود الرامية إلى دعم الانتفاضة والعمل المسلح، فلن يجمع لها مال، ولن يفتح لها مكاتب، ولن يكشر في وجهها أحد، وقد يتنادى فئام من الدعاة من فوق المنابر بطاعة طغاة العلمانية ممن يستعلنون بالفصل بين الدين والدولة، وإن جلدوا الظهور وأخذوا الأموال، وأن الجهاد والصلح، أو الحرب والسلم من القرارات السيادية التي تفوض إلى هؤلاء، ولا مدخل فيها للعامة وأشباه العامة، وسوف تدخل القضية الفلسطينية في منعطف جديد بالقياس إلى كل ما مر بها من أحداث، وما تعاقب عليها من محن! قد تأخذ هذه التداعيات بعض الوقت، وقد لا يتزامن حدوثها في وقت واحد، وقد تمارس كلها أو بعضها من الناحية العملية في الوقت الذي ترفع العقائر بنقيضها من الناحية النظرية، إلا أن استقراء الأحداث والوقائع يقول إن ذلك قادم لا محالة، وإن نذره قد بدت تلوح في الأفق! فأين نحن من هذا كله ؟ وما ذا أعددنا له من العدة ؟ ويبقى السؤال جذعا: وماذا بعد الحصار؟!
لقد تعودنا على ردود الأفعال الموقوتة، التي سرعان ما تفتر وتتلاشى، وتصبح هشيما تذروه الرياح! إننا نجد اليوم حماسا وتجاوبا وتهيؤا للبذل والتضحية، لبشاعة المذابح من ناحية، ولتجاوب الإعلام في عرضها وتعريف الناس بها من ناحية أخرى، لكن أخوف ما أخافه أن يفتر هذا الحماس وأن تذهب شرته، وأن تضطرب الأولويات، وأن يشتغل كل منا بخصوصياته وأولوياته بعد حين، فينفض السامر ويهجع السمار! والأمر جد خطير، ومسيس الحاجة فيه إلى الصبر والمصابرة والمرابطة، وتجهيز الأمة لرحلة طويلة من البذل والمعاناة لا يخفى على متأمل!