إننا لا نجد جوابا على هذا إلا قول الله جل وعلا { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} الصف: 10 -11 وقوله تعالى { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقْتلون ويُقْتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفي بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم } التوبة: 111 فالجهاد ذروة سنام الإسلام، وهو الذي لا يعدله عمل من الأعمال ، فعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمفَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَاد،َ قَالَ: لَا أَجِدُهُ، قَال:َ هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُر،َ وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِر،َ قَالَ وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟! قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ فَرَسَ الْمُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ
ومعنى قوله (ليستن) يمرح بنشاط، من الاستنان وهو العدو. (طوله) حبله الذي يشد به من طرف ويمسك طرفه الآخر، ثم يرسل في المرعى. (فيكتب له حسنات) يكتب مرحه ورعيه حسنات لصاحبه. وما ترك قوم الجهاد إلا ضربت عليهم الذلة والمسكنة، ونزعت مهابتهم من قلوب أعدائهم، وأكلتهم الفتن، واكتووا بنيرانها!
على أنه ينبغي أن يؤخذ الجهاد بمفهومه الواسع: جهاد السيف، وجهاد الكلمة، وجهاد المال، ( جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم وأموالكم) ، فكل هذه مجالات تستوعب طاقات الأمة، وتوظف كل إمكاناتها في هذه المواجهة، وتفسح لكل صاحب جهد مجالا لكي يدلي بدلوه، ويشارك في دعم جهاد أمته، وفي إنهاضها وإقدارها على الرباط والمصابرة، في هذه الرحلة الطويلة المضنية!
فإذا عجز الناس في مرحلة من المراحل عن إقامة الجهاد بمفهومه الخاص ( جهاد السيف ) على وجهه كما أمر الله عز وجل، لنقص في العدد أو في العتاد، أو لعدم ملاءمة في التوقيت أو غير ذلك ، فإن لهم في مفهومه العام من جهاد الكلمة وجهاد المال منادح ومتسعا تبقيهم على نية الجهاد بمفهومه الخاص من ناحية، وتتيح لهم المشاركة في تعبيد سبله وتهيئة أسبابه من ناحية أخرى، وإذا كان العبد لا يزال في صلاة ما دامت تشغله الصلاة ويتجهز لها، فإنه لا يزال في جهاد ما دام يشغله الجهاد ، ويعد له العدة، ويهيئ له الأسباب.
وإن إعداد العدة في هذا المقام طريق ذو ثلاث شعب:
الشعبة الأولى: شعبة الإيمان والاعتقاد الصحيح، وخلاصته التأكيد المستمر والإلحاح الدائم على أن القضية الفلسطينية قضية إسلامية خالصة، وتخليصها - على الأقل في حس المؤمنين بالله واليوم الآخر - من الأقنعة العلمانية، والنزعات العرقية أو الإقليمية، وذلك يقتضي ما يلي:
-تجديد الإيمان واستفاضة البلاغ بأن النصر من عند الله وحده، وأنه لا يستحقه إلا المؤمنون حقا. قال تعالى { وما النصر إلا من عند الله } ( الأنفال: 10 ) وقال تعالى { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ( محمد: 7 ) وقال تعالى { وكان حقا علينا نصر المؤمنين}
-تجديد الإيمان واستفاضة البلاغ بأن هذه الأمة منصورة ومرحومة، وأن العاقبة لها بإذن الله، وأنه لا تزال طائفة منها قائمة على أمر الله لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ، وأنها قد مرت عبر التاريخ بأطوار من الضعف والانحطاط أكثر بشاعة مما تمر به هذه الأيام، وأنها قد خرجت من كل ذلك، واستعادت عافيتها، واستأنفت مسيرتها، وحملت رسالة ربها إلى العالمين، وأن نذكر أنفسنا دائما بسنة الله الثابتة في إهلاك الطغاة والمستكبرين، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ، { ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد } الفجر: 6-9
-تجديد الإيمان واستفاضة البلاغ بأن أول الطريق إلى النصر على الأعداء هو الانتصار على النفس في معركة الشهوات والشبهات، وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة، وأن ذنوب الأمة أخوف عليها من عدوها، وأن تقوى الله من أعظم الخطة في الحرب، ومن أقوى المكيدة على العدو، وأن كل خطيئة ترتكب في أرض الإسلام فهي حبل من الناس يمد به العدو بمزيد من القوة ، وقذيفة مدمرة تقدم إليه، وتضاف إلى رصيده من العتاد غنيمة باردة بلا ثمن ليبطش بها كما شاء !
-تجديد الإيمان واستفاضة البلاغ بأن العلمانية والإيمان نقيضان، وأن اللبوس العلماني الذي نسجه المبطلون للقضية الفلسطينية كان أحد أسباب الخيبة الماضية، وأن الإصرار عليه إصرار على السير في طريق الخيبة والبوار!