د. محمد عمر دولة*
مصطلح (العلمانية) يعني (اللادينية) ؛ فهي دعوة إلى هجران التعاليم الدينية كلها, وفي الحياة السياسية تعني فصل الدين عن الدولة. ويلاحظ أنه لا علاقة لاسم العلمانية (SECULA r ISM) باصطلاح العلم (SCIENCE) .
ما هو سبب ظهور العلمانية في الغرب؟
ظهرت هذه الفكرة في القرن السابع عشر في أوروبا نتيجة المعارك الكنسية مع العلم والعقل والحرية الفردية. فقد كانت محاولةً لحبس الدين في ضمائر الأفراد, وردّة فعل للسجن الطويل الذي مارسته الكنيسة على أهلها, فخنقت حريات الأفراد, وحبست ملكات العقل, وحاربت حقائق العلم. فهي دعوة إلى تقهقر الكنيسة إلى الشعائر والمشاعر الشكلية, وتقوقع الدين في المراسم والمواسم؛ ليعود الشعار"أعط ما لقيصر لقيصر, وما لله لله".
ما هي الجذور الفكرية للعلمانية؟
يضاف للمشكلة الكنسية, وانقلابها إلى"عاملٍ مُعوِّقٍ عن الحياة, مضادٍّ للعلم والحضارة والتقدم والرقي, محقّرٍ للإنسان ونزعاته الحيوية, مُهْمِلٍ للحياة الدنيا"1، يُضاف إليها الدور اليهودي؛ إذ ليس غريباً"أن يكون اليهود وراء فصل الدين عن الدولة", كما صرح بذلك الكاتب الأمريكي وليام غاي كار في كتابه (أحجار الشطرنج) ؛"بغية القضاء على الدين الذي حرّفوه, بتعطيله عن المجتمع داخل جدران الكنيسة"2؛ لأنّ العلمانية تذيب الفوارق الدينية الهائلة بين اليهود وغيرهم من الشعوب والأمم3, ولا يخفى هاهنا دور أدبيات المفكرين اللادينيين من اليهود وغيرهم من (الليبراليين) ، الذين يسحبون ذيل التجربة الغربية مع الكنيسة على ما سوى ذلك من الأديان؛ ولذلك نجد أنّ أُسُسَ العلمانية مستمدةٌ من كتاب (أصل الأنواع) لـ (دَارْوِن) 1859م القائل بنظرية التطوُّر, وكتابات (نيتشه) عن الإنسان الأعلى (السوبرمان) , وأدبيات (دور كايم) عن (العقل الجمعي) ، وتحليل (فرويد) للسلوك الإنساني بـ (الغريزة الجنسية) , وكتابات (كارل ماركس) عن (المادية الجدلية والتاريخية) , وأدبيات سارتر عن (الوجودية) ...
كيف انتقلت (اللادينية) إلى العالم الإسلامي؟
لابدّ للجواب على هذا السؤال الكبير من استدعاء جملة من الدعائم التي سوّغت لبعض النُّخَب في العالم الإسلامي تسويق هذه الفكرة، في زحمة استيراد عوامل النهضة على طريقة التحديث الغربي؛ إسقاطاً لتجربة الغرب, وتغييباً لذاتية الشرق ومقوماته الحضارية.
فأُولى هذه الدعائم: الإرساليات الأجنبية بمختلف أنشطتها التبشيرية, التي كان لها أضرار جسيمة؛ إذ"لم يتوانَ المُرْسَلُون في إطار التوسع وتكريس الهيمنة عن تدعيم خليط من رجال الأعمال والمغامرين السياسيين والمستعمرين والمستشرقين في عملياتهم التوسعية، التي تهدف إلى استطلاع المنطقة، وترسيخ دعائم السيطرة الأوروبية في أذهان الأهالي، ومحاولة احتواء الثوابت الدينية والمذهبية عندهم"4.
وثانية هذه الدعائم: الاستشراق وأيديولوجية الهيمنة ؛ إذ لم يكن القصد من الدراسات الاستشراقية تجريد الشرق من كل مزاياه الفكرية فحسب, وإنما تأسيس خطاب فكري للآخرين؛ يبرّر من خلاله للمركزية العرقية الأوروبية زعزعةَ ثقة الشعوب الشرقية بذاتها وبمعاييرها، وتدمير مجتمعاتها وعوامل الاستمرارية والثبات عندها.
وقد عملت في سبيل تحقيق هاتين الرغبتين على تسخير طائفة من الكُتّاب الحاقدين, الذين أسقطوا عداوتهم على دراسة الإسلام؛ بناءً على الصُّوَر المشوّهة في أذهانهم؛ فجاءت غالب بحوثهم في منتهى التعصب والإجحاف والتزوير, وكانت عبارة عن تبريرٍ لأطماع الغرب الباحث عن مستعمرات وراء البحار, واستلحاقٍ لأهل الشرق الباحثين عن طريق للخروج من الانحطاط.
وقد بثوا سمومهم الصليبية طعناً في القرآن وتشكيكاً في السنة, وإحياءً للخلافات والنعرات والعصبيات في التاريخ الإسلامي, وإبرازاً للصفحات السوداء ـ فقط! ـ من تراث الحضارة الإسلامية. فقد مثّلتِ الدراسات الاستشراقية جنايةً على الإسلام والإنسان وتنكّبتِ الموضوعيةَ العلمية, وكشفت الروح الصليبية التي تحكم كتابات (غولد زيهر) ، و (شاخت) ، و (مونتغمري وات) ، و (نويل ج. كولسون) ، و (مرجليوث) ، و (يودوفيتش) ، و (رينان) 5..