فهرس الكتاب

الصفحة 7722 من 27364

رياض أبو ملحم

المشروع الأمريكي الرامي إلى إحداث تغييرات جذرية في منطقة الشرق الأوسط يطرح مزيداً من الأسباب الموجبة للحديث عن ضرورة قيام نظام دولي جديد لا يستند إلى الأحادية القطبية، مثل هذا النظام غير موجود كما يقول أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى (في حوار خاص) ، لذلك يحدث هذا الاضطراب الكبير على المستوى العالمي، والذي كان غزو العراق، وتأجيج الصراع العربي ـ الإسرائيلي بعض نتائجه المباشرة.

ومنذ الكشف عن مشروع «الشرق الأوسط الكبير» (وهو نسخة متطورة عن مشاريع أمريكية سابقة) ، بدا أن الإدارة الأمريكية مصممة على مواصلة خطواتها الأحادية، برغم إعلان نيتها عرض المشروع على قمة الدول الثماني في مطلع يونيو المقبل، ثم على القمة الأمريكية ـ الأوروبية في وقت لاحق، وبعد ذلك على القمة الأطلسية التي ستنعقد في أنقرة نهاية يونيو.

إذ أن « المشروع الإصلاحي والتغييري الشامل الذي يهدف إلى تعميم الديمقراطية » في طول المنطقة وعرضها - كما قيل - يأخذ شكل الإملاء والإجبار على مختلف دول المنطقة، ويترك الباب مفتوحاً أمام الولايات المتحدة للتدخل في كل كبيرة وصغيرة من شئون البلاد والعباد.

إلى جانب أن هذا المشروع يسقط موضوع الصراع العربي - الإسرائيلي كلياً، ويتصرف حياله وكأنه غير موجود، في حين أن هذا الصراع المدمر الذي تسبب في تفجير سلسلة طويلة جداً من الحروب وأعمال العنف المختلفة لا تزال تفاعلاتها تتوالى حتى اليوم؛ أحدث حالة من الفوضى العارمة في المنطقة على مدى نصف القرن الماضي.

وهناك إجماع دولي على استحالة أن تستعيد المنطقة أمنها واستقرارها وهدوءها من دون إنهاء الصراع على نحو عادل وشامل ومتوازن، ومن دون بلوغ الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، وإقامة دولته المستقلة.

هذه الأمور وغيرها مما يحيط بموقف الإدارة الأمريكية الحالية من شكوك وشبهات هي التي حملت الدول العربية على أن تتخذ موقفاً سلبياً من المشروع الأمريكي، كذلك فعلت الدول الأوروبية الرئيسية - لا سيما فرنسا وألمانيا - التي أبدت خشيتها من أن يؤدي التحرك الأمريكي الجديد إلى اضطرابات إضافية في منطقة الشرق الأوسط من شأنها تدمير الإنجازات التي حققتها الشراكة الأوروبية - المتوسطية من جهة، وتهديد أمن دول الاتحاد الأوروبي ومصالحها من جهة أخرى.

سخط في مواجهة الإملاء:

على الصعيد العربي أثار الشكل الإملائي والمتعالي لمشروع «الشرق الأوسط الكبير» سخط الدول العربية كلها، وإن كان المسئولون العرب أقروا بالحاجة إلى إصلاحات واسعة في دولهم ومؤسساتهم على أن تتم في صورة متدرجة، وضمن الظروف الخاصة بكل منها، ومن دون تدخل خارجي.

بيد أن الجميع أكدوا رفضهم لعملية الفصل القسري بين الإصلاحات البنيوية المطلوبة وموضوع الصراع العربي - الإسرائيلي نظراً لقناعاتهم الكاملة بأن ثمة ترابطاً موضوعياً بين المسألتين تعززه الوقائع اليومية في فلسطين المحتلة وفي عدد من الدول المجاورة لها.

فالإدارة الأمريكية تطرح مسألة العنف في المنطقة والمدرجة تحت عنوان «الإرهاب» ، بما في ذلك المقاومة الوطنية الشرعية ضد الاحتلال الإسرائيلي؛ على أنها ناشئة عن غياب الديمقراطية والتوجهات الإصلاحية، وهذا التعميم الفضفاض يسقط تلقائياً أبرز عامل من عوامل عدم الاستقرار في المنطقة: الصراع العربي - الإسرائيلي.

وبرغم إجماع الدول العربية حكومات وشعوباً على أن النزاع القائم في فلسطين وحولها يحول دون إرساء وضع مستقر في منطقة الشرق الأوسط تستعيد فيه شئون التنمية والتطوير ديناميتها الطبيعية، فإن إدارة الرئيس جورج بوش مازالت ترفض هذا المنطق، وتصر على معالجة أوضاع المنطقة بمعزل عن الصراع العربي - الإسرائيلي وتأثيراته العميقة.

ويتساءل العديد من المراقبين عن الأسباب التي تمنع الإدارة الأمريكية من الاهتمام بمعالجة موضوع الصراع العربي - الإسرائيلي، إلى جانب السعي لتنفيذ إصلاحات مؤسسية شاملة في الدول العربية تفضي إلى إحلال الديمقراطية، وتعميم الحريات، وضمان حقوق الإنسان؟

ويلاحظ هؤلاء أن سوء النية لدى الإدارة الأمريكية يظهر جلياً عندما ترفض هذه الإدارة الاستماع إلى وجهة النظر العربية، فتواصل دعم العدوان الإسرائيلي من ناحية، وتشجع الحكومة الإسرائيلية على إحباط أي مشروع سلمي من شأنه وضع حد للصراع التاريخي القائم، وتكون النتيجة الطبيعية لذلك إحداث مزيد من الفوضى والاضطراب وأعمال العنف في المنطقة.

ويصف المحللون مشروع إدارة بوش كمن يضع العربة أمام الحصان، ويرى هؤلاء أن الإدارة الأمريكية تتوهم إمكانية إذابة هذا الصراع إلى حد تلاشيه كلياً بعد أن تحقق عملية الإصلاح الطويلة في الدول العربية هدفها الكامل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت