فهرس الكتاب

الصفحة 7723 من 27364

وهذا يعني الطلب من الدول العربية وشعوبها المشدودة إلى الصراع مع إسرائيل الانتظار قروناً عدة أخرى لرفع أثقال هذا الصراع عن صدرها، بينما تترك الحرية لإسرائيل خلال ذلك لتعميق وجودها في المنطقة، والاستيلاء على مزيد الأرض، وتشريد المزيد من أصحابها، ثم تبديد الفرص المحتملة لإقامة الدولة الفلسطينية الموعودة.

ومن الواضح أن نائب وزير الخارجية الأمريكية للشئون السياسية مارك غروسمان الذي قام بجولة دعائية واسعة في المنطقة حاول أن يعكس الواقع عندما قال: إنه لا يمكن انتظار إحلال السلام في الشرق الأوسط لتشجيع الإصلاح»، فالمنطق ذاته يمكن استخدامه للقول أنه لا يمكن انتظار قرون عدة لتحقيق الإصلاح الديمقراطي في دول المنطقة حتى يأتي بعد ذلك دور تسوية الصراع العربي - الإسرائيلي.

فالإصلاح هو الذي يحتاج إلى وقت طويل حتى يحقق النتائج المطلوبة، بينما يمكن تسوية موضوع الصراع العربي - الإسرائيلي خلال مدة زمنية قصيرة (نسبياً) إذا صدقت نوايا الولايات المتحدة، وكفت عن تشجيع العدوان الإسرائيلي وحمايته.

مشروع عربي مستقل:

ونتيجة للمشاورات العربية - العربية من جهة، والاتصالات العربية - الأوروبية من جهة أخرى استقر الرأي على أن يكون للدول العربية مشروعها الإصلاحي المستقل البديل، ويزاوج هذا المشروع الذي سيعرض على قمة تونس في نهاية مارس الجاري بين الإصلاحات الديمقراطية والتحديثية في الدول العربية من ناحية، ومعالجة موضوع الصراع العربي ـ الإسرائيلي من ناحية ثانية.

ففي الشق الأول يتضمن المشروع أفكاراً واقتراحات مجددة في شأن الإصلاحات المطلوبة، والآلية التي سيجرى اعتمادها في عملية التنفيذ، أما في الشق الثاني فسيعيد القادة العرب التأكيد على مبادرتهم الخاصة بتسوية القضية الفلسطينية التي سبق إقرارها في قمة بيروت عام 2002.

مع تطويرها بعض الشيء بما يؤدي إلى توضيح بعض بنودها على نحو يعزز من أهميتها كوثيقة رئيسية تمثل الموقف العربي بصورة دقيقة، فالمبادرة تقوم على أساس انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية إلى حدود عام 1967، وقيام دولة فلسطينية مستقلة، والانسحاب من مرتفعات الجولان السورية المحتلة والأجزاء المتبقية من الأراضي اللبنانية، على أن يقابل ذلك تطبيع عربي مع إسرائيل، ووضع حد للصراع الدموي القائم.

وكما يقول أمين عام الجامعة العربية (في حوار خاص) : فإن أي تطبيع مع إسرائيل له شروطه، ولذا فان الدول العربية ستؤكد مجدداً استعدادها لتنفيذ التزاماتها التي تنص عليها المبادرة العربية بشرط أن تنفذ إسرائيل التزاماتها بالمقابل، وبالتوازي بما يفضي إلى تحقيق السلام العادل والشامل في نهاية المطاف.

وفي خطوة موازية سيكون هناك أمام القمة العربية في تونس مشروع آخر لتطوير مؤسسات جامعة الدول العربية، وتعزيز العمل العربي المشترك، بحيث يصبح الموقف العربي أكثر تماسكاً وفعالية على المستوى العربي الجماعي من جهة، وعلى المستوى الدولي من جهة أخرى.

ومن الآن وحتى نهاية مارس الجاري سيكون لدى الحكومات العربية الوقت الكافي لبلورة مواقف نهائية من مختلف الأفكار المطروحة بعد أن قام وزراء الخارجية العرب خلال اجتماعاتهم الأخيرة في القاهرة بوضع الاقتراحات المعروضة في صيغ محددة سواء فيما يتعلق بالمشروع الإصلاحي العربي البديل للمشروع الأمريكي، أو بالنسبة لمشروع تطوير مؤسسات الجامعة العربية وفي هذا الإطار ينشط المسؤولون العرب في إجراء اتصالات ومشاورات مع حكومات الدول الأوروبية المهتمة للتنسيق معها، وجعل مواقف الطرفين مكملة لبعضها البعض، وهو ما يؤدي إلى محاصرة التحركات الأمريكية الأحادية، ويضع حداً لتطرفها وانفلاتها، حتى قبل الوصول إلى القمم الدولية الثلاث المقررة في يونيو المقبل.

أوروبا وشراكتها المتوسطية:

فالدول الأوروبية تدرك تماماً نتيجة لتجربة الشراكة الأوروبية - المتوسطية التي مضى عليها نحو ثماني سنوات مدى التأثير السلبي للصراع العربي - الإسرائيلي، وغياب السلام والاستقرار في المنطقة على المجتمعات العربية، وهي تضع الآن في اعتبارها ثلاثة أمور أساسية:

الأمر الأول: أن الضغط على الدول العربية لا يفيد وحده في إنهاء المشاكل المجتمعية القائمة إذ لابد من توفير قناعات كاملة، وتعاون ايجابي لدى الأطراف المعنية في شأن تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وإلا فسيحدث العكس تماماً.

والأمر الثاني أن الاتحاد الأوروبي انفق حتى الآن مليارات الدولارات في إطار الشراكة الأوروبية - المتوسطية استفادت منها الدول الأعضاء في تطوير وتحديث مؤسساتها الصناعية والتعليمية والثقافية والتنموية ولا يستطيع الاتحاد أن يتصرف الآن وكأن كل هذه الإنجازات لم يكن لها وجود أو معنى، وأن كل شيء بالتالي ينبغي أن يبدأ من الصفر، أو من الاقتراحات الأمريكية تحديداً ثم تسير الأمور بعد ذلك وفق توجيهات البيت الأبيض والمصالح الأمريكية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت