أحمد إسماعيل*
المنظمات الاجنبية دارفور للمنظمات الغربية المرتبطة بالمشروع الكنسي تاريخ طويل في إثارة واستغلال الاضطرابات والحروب الأهلية في السودان. منذ اندلاع أول تمرد عسكري في جنوب السودان عام 1955م مروراً بكل دورات الحرب الأهلية في الجنوب 1962م ـ1983م مروراً بما حدث في جبال النوبة ـ انتهاء بما يجري في دارفور الآن. ذلك لأن تحجيم معابر الثقافة العربية الإسلامية في القارة الأفريقية ظل على الدوام هو الهدف الأسمى والأكبر للكنيسة العالمية
ومنذ أن عرف الإسلام طريقه إلى هذا البلد ـ السودان ـ، ودارفور قد عرفت كمنطقة من مناطق التمدد الإسلامي التام.. فقد عرفها التاريخ بممالكها الإسلامية منذ سلطنة الفور الكبرى، وسلطنة المساليت المرتبطة تاريخياً بسلطنة ودّاي.. كما عرفها كمعقل ارتكاز للثورة المهدية وكآخر الحصون المسلمة سقوطاً في مواجهة الاستعمار الإنجليزي 1916م.. والناظر في تاريخنا يجد أن الإسلام لم يجد له مزاحماً في دارفور حتى الوقت القريب.. فالمسيحية قد تمددت في جنوب كردفان وجبال النوبة ـ واستطاعت ان تحوز بعض النفوذ في جنوب السودان. ولها نقاط في عدد من مناطق السودان.. ولكن دارفور لم تكن تواجه هذا الواقع، حتى مع توافد الهجرات الإفريقية عبر حدودها المفتوحة من جهة الغرب، فانه لم يكن يفد إليها في هذه الهجرات إلا المسلمون - رغم وجود النصرانية في الدول المتاخمة لها فالمهاجرون كانوا في الغالب من المسلمين الذين يفدون مسافرين في طريقهم إلى الحج.. أو من الرعاة الوافدين من شمال نيجيريا وغيرها. وهؤلاء وأولئك كانوا يفدون عابرين، فمنهم من يستقر بها ومنهم من يواصل سيره وربما استقر في منطقة أخرى من مناطق السودان، شمالاً أو شرقاً أو وسطاً، ثم يتداخل مع قبائلها وينتسب إليها.. أو يظل محتفظاً بكيانه القبلي.
ولكن مع اندلاع الحرب الأهلية في الإقليم.. ونشوء ألازمة الإنسانية الكارثية التي تم استغلالها ببراعة من قبل القوى العالمية وأعلنت كأكبر كارثة إنسانية في العالم، تدافعت المنظمات الغربية التنصيرية بكثافة الى دارفور تحت شعار الإغاثة والعمل الإنساني لتمارس دوراً قذراً لتبديل الواقع الديني والديمغرافي الممثل بسيادة الإسلام ولتمارس عملاً تنصيرياً ربما ليس بالمفهوم التقليدي، وهو التبشير المباشر بالمسيحية - وان كانت لم تغفله تماماً. ولكن بأساليب أخرى أكثر تكنياً وأسرع نتائجاً.
لقد أدت الحرب وحالة انعدام الأمن.. إلى هجران السكان لمعظم القرى في دارفور وتجمعهم في معسكرات حول المدن الكبرى مثل نيالا وكتم وغيرها ولهذا كان البرنامج الأول لتلك المنظمات هو المحافظة على حالة عدم الاستقرار هذه لتحافظ على وجودها الدائم في دارفور.. وطبيعة هذه المنظمات هي العمل في جو الإضطرابات كأفضل جو يوفر لها القدرة على العمل دون تضييق من السلطة المركزية، ففي أحداث الجنوب من قبل كانت تقوم بإذكاء نار الحرب ودعم المتمردين بالسلاح ففي تمرد 1962م كان من الأسباب المباشرة التي دعت حكومة الفريق إبراهيم عبود إلى إخلاء الجنوب ـ في سبعة أيام فقط ـ من كل المبشرين الأجانب البالغ عددهم أربعمائة.. هو تورطهم المباشر في مساعدة المتمردين ودعمهم.. فقد كانوا يقومون بدور الوسيط بين قادة التمرد في الخارج وبين المواطنين في الداخل.. كما كانوا يقومون بتسريب الجنوبيين عبر الحدود إلى الدول المجاورة حيث معسكرات اللاجئين والتدريب العسكري.. وفي السنوات القريبة قبل توقف الحرب في جنوب السودان كانت المنظمات التنصيرية الكبرى مثل مؤسسة (صندوق الراعي الصالح) التي لها وجود ضاغط في الكونغرس الامريكي، تعمل على دعم المتمردين بالمال والسلاح، تهبط طائراتها في وضح النهار في الأراضي السودانية بما تحمله من دعم للمتمردين.. أما في أحداث دارفور فقد ضبطت الحكومة لأكثر من مرة أدلة مباشرة تشير إلى دعم هذه المنظمات والدول التي من ورائها لحركات التمرد من طائرات محملة بالسلاح وغيرها، وقد قامت الحكومة السودانية باستدعاء السفير الألماني وطلبت تفسيراً لأشياء من هذا القبيل.. وذات هذا الأمر هو الذي دعى الحكومة إلى التشدد في تفتيش عربات الإغاثة.. ولكن هذه المنظمات لم تقف مكتوفة الأيدي بل استغلت الضغط الدولي على الحكومة في الخرطوم لتفرض عليها إطلاق يدها عن حركة الإغاثة التابعة لتلك المنظمات!!