فهرس الكتاب

الصفحة 5486 من 27364

عبد العزيز بن محمد الوهيبي 22/8/1423

"بعد أن تهدأ الحناجر من الصراخ ، والأيادي من قذف الحجارة ، والسواعد من رفع كلمات الاحتجاج ودعوات الجهاد، والتحرير … بعد ذلك هل يعلو صوت العقل والحكمة والدراسات المبنية على الإحصائيات والدراسات الدقيقة والتحليل المنطقي البعيد عن العواطف؟"هكذا يتحدث عقلاء الليبراليين ، ومنظرو قاعات الفنادق، ومراكز المؤتمرات الفخمة التي تعمرها الأرائك الأمريكية العالية القيمة . يتحدث هؤلاء أصحاب الياقات الزرق الذين ينتمي كثير منهم إلى مراكز الدراسات والنشر والبحث العلمي التي تعطي الرواتب الضخمة وترتبط بدعم مباشر أو غير مباشر من هذه الجهة الأجنبية أو تلك؟! هؤلاء الذين لا يملون من تكرار النصيحة لنا بعبارات مملولة، وحجج جوفاء يودون لو أن مصطلحات من نوع: الجهاد ، دار الكفر ، دار الإسلام، المشركين … الخ ، يودون لو تختفي من قواميس الخطاب السياسي العربي ليظهر بدلاً عنها مصطلحات من نوع: التعايش ، الشرعية الدولية ، احترام الحدود والسيادة الداخلية … الخ من عبارات عصر التنوير والثورة العلمانية الحديثة هذه هي - وحدها - اللغة التي يودون أن يكون الحوار على أساسها ، ويستخدم نفس أدواتها المنهجية وينطلقون من نفس تحيزاتها المنهجية والمعرفية وخياراتها التاريخية والاجتماعية … لكن هذه الخيارات - وإن كان كثير من النخب الثقافية يستعملونها بإصرار ، ويدافعون عنها بحماسة التبشير العقدي - أقول: إن هذه الخيارات لا تفهمها الجماهير العريضة ، ولا تتعاطى معها ، ولا تستسيغها، وهي

-وإن رضخت لها كواقع جغرافي إكراهي ضاغط- ، ترضخ لها رضوخاً مؤقتاً، وتستسلم لها إلى حين ، وهي تدرك في أعماقها أن الفجر"الصادق"قادم لا محالة ، وأن قدر المواجهة حق لا ريب فيه ، وأن كل وضع -بخلاف ذلك- إنما هي مسكنات مؤقتة ، ومعالجات جزئية ؛ ولذلك فقد انفجرت هذه الجماهير في كل مكان، وعبّرت عن بركان غضبها الهادر بكل السبل الممكنة بل وغير الممكنة أحياناً!! ومضت تلعن جلاديها وتهددهم وتتوعدهم بيوم المواجهة الكبير …"خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود ...!!".

ونحن إزاء تحليل هذه الحدث نقف أمام نموذجين معروفين متناقضين غاية التناقض: النموذج العلماني الذي يجعل المنفعة المادية هي الهدف الأسمى ولا يؤمن بقضية الكرامة أو الهوية المتمايزة ، أو التناقض العقدي سبباً في التفرقة بين الشعوب ، ولذلك فهو يدعو إلى تطبيع العلاقات ، والتبادل الاقتصادي والتكامل التقني ، والاعتراف المتبادل ، وكسر الحواجز النفسية ، ولو كان ذلك بتغيير المناهج الدراسية ، والمفاهيم العقدية … !!

هذا النموذج هو الذي تأسست على هديه الدولة الحديثة ، ونالت مشروعيتها بالانتماء إلى الأمم المتحدة ، ورضخت لقراراتها وتوجيهاتها، وقبلت بالتعاطي معها والتحاكم إلى مؤسساتها ، وشاركت وأقرت بمؤتمراتها ولجانها واجتماعاتها؛ ذلك أن أي خروج عن هذه الشرعية هو - في رأيها- خروج عن أصل وجودها ومبرر سلامتها وأمنها . هذه الدولة على هذه الرؤية والمشروعية شكلت بناها الداخلية، وتوجهاتها الخارجية على هذا الاعتبار ، وبذلك فهي تتوجس من أي معالجة تخرج عن هذا النسق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت