بقلم / شيرين حامد فهمي
ما أجمل الوثائق الدستورية في كل أنحاء العالم! وما أجمل الدستور الأمريكي إذا قرأناه بالعين المجردة، فسنجد فيه معاني العدل والمساواة والإخاء. ولكننا إذا رجعنا إلى تاريخ وضع هذا الدستور، فسنكتشف أنه يناقض تمامًا ما نص عليه.
لقد تم وضع الدستور الأمريكي على يد توماس جيفرسون Thomas Jeffe r son الذي كان معروفًا بمناهضته لحقوق تحرير العبيد، الذي كان يعتقد اعتقادًا راسخًا في أن تحريرهم سيدمر الدولة الأمريكية؛ ولذلك، فهو يخاطب - في ذلك الدستور - الأحرار ولا يأخذ عبيد الأمة في الاعتبار. نعم، إن المخاطب في الدستور الأمريكي هو الأبيض الخالص، أو الـ Wasp. والمقصود بالجنس في الدستور الأمريكي هو الجنس الأبيض الخالص القادم أصلاً من أوروبا. والمثالية التي يتحدث عنها الدستور إنما هي مثالية قائمة فقط على من ينتمون إلى الجنس الأبيض الخالص، وليس قائمة أبدًا على غير البيض. وعندما يقول الدستور الأمريكي: إنه لا فرق بين الأجناس، فإنه يقصد بذلك أنه لا فرق بين الألماني الأبيض والفرنسي الأبيض، أي أنه لا فرق بين الأجناس الأوروبية البيضاء.
والواقع التاريخي هو أكبر دليل على ذلك. فقد قتل أبراهام لينكولن Ab r aham Lincoln لأنه طالب بتحرير العبيد. وحتى لينكولن، لم يطالب بحقوق العبيد حبًّا فيهم وإنما كسبًا للانتخابات. غير أننا لا نستطيع أن ننكر تعاطفه مع العبيد في الجنوب؛ لأنه كان من سكان الجنوب الذين عايشوا ورأوا أحوال السود المزعجة، مما أدى إلى تعاطفه معهم.
ومن دلائل الواقع أيضًا أنه منذ صدور الدستور الأمريكي في عام 1776 حتى عام 1964 والجنس الأسود الأمريكي محكوم عليه بالانفصال التام عن الجنس الأبيض الأمريكي. ومن أمثلة ذلك الاضطهاد أن التلاميذ الزنوج كان يتم نقلهم إلى مدارس كلها زنوج حتى ولو كانت على مسافة بعيدة من منازلهم. بمعنى أن المدارس القريبة من بيوت الأسر الزنجية كانت تغلق أبوابها في وجوه التلاميذ الزنوج لمجرد أنها مدارس"بيضاء"؛ وكان ذلك يجبر أسرة التلميذ الزنجي على البحث عن مدارس"سوداء"تسمح بدخول ابنهم. وكان هذا النظام يسمى نظام الـ Buffing.
وقد ظل الوضع هكذا حتى جاء مارتن لوثركينج Ma r tin Luthe r king الذي ناضل طويلاً من أجل كسب حقوق الزنوج، والذي طالب بقبول الجنس الأسود الأمريكي في داخل المجتمع الأمريكي. واستمرت العنصرية بقتل مارتن لوثركينج، ولكن الزنوج واصلوا كفاحهم حتى حصلوا أخيرًا على حقوقهم المدنية التي تسمى بالـ Civil libe r ties.
طيلة 200 سنة والحرب دائرة على من يقصده الدستور بالمخاطبة. وحتى عام 1964 كان من المعروف جيدًا أن المخاطب هو المواطن الأبيض الخالص. ولكن عندما قام الزنوج بثوراتهم المتعددة ضد هذه المظالم، تقهقرت الحكومة الأمريكية قليلاً إلى الوراء وأعلنت سياسيًا (فقط) أن الكل-الأبيض والأسود- مخاطب.
أما إجرائيًّا، فقد تفنن المحامون والقضاة الأمريكيون في كسب الجولات القضائية ضد السود. وهنا تظهر مهارة هؤلاء المحامين والقضاة في إنكار استخدام الحقوق.
ولنا مثل واقعي آخر في دولة ليبريا، وهي دولة أفريقية يسكنها زنوج الولايات المتحدة الأمريكية. وهم يعيشون الحياة الأمريكية بكل حذافيرها. وهم أمريكيون إلى النخاع. وفي أثناء الحرب الباردة، كانت أمريكا تستقطب هذه الدولة وتشغلها لحسابها ضد الاتحاد السوفيتي. أما بعد انتهاء الحرب الباردة لصالح أمريكا، وبعد قضاء المصالح، انقلبت السياسة الأمريكية ضد دولة ليبريا والشعب الليبيري. وبعد أن كانت الدولارات الأمريكية تضخ يمينًا وشمالاً، صارت ليبريا منطقة جدباء تفتقر إلى كل سبل الحياة الكريمة. إن هذا دليل على مدى الاضطهاد الذي يلاقيه الزنوج الأمريكيون.
إن المشكلة العامة - التي تخص الدستور الأمريكي وغيره من الدساتير- تتمثل في الازدواجية القائمة في الدستور منذ زمن بعيد. تلك الازدواجية ناتجة عن الآتي: كل الدساتير أصدرتها نُخَب للحفاظ على مصالحها. فعندنا مثلاً الدستور الفرنسي الذي أُصدر عقب الثورة الفرنسية يتحدث عن"حقوق المواطن"، وعن الأخوة والمساواة. ولكن، يا ترى لمن هذه الأخوة؟ ولمن هذه المساواة؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه؛ ولكي يتم الإجابة عليه، فعلينا أن نعلم من الذين وضعوا تلك القوانين واللوائح الفرنسية. إنهم طبقة البرجوازيين الذين يصفون"المواطن"بأنه الفرنسي الذي يملك، أي أن المواطن الفرنسي هو المواطن المالك والذي تجوز عليه تطبيق الأخوة والمساواة. بمعنى آخر، إن المواطن صاحب الحقوق هو المالك صاحب السلطان. وفي عصر الثورة الفرنسية كان يوجد شاعر فرنسي اسمه La Fontainne وكان يقول ساخرًا:"أعجب من الذين يقولون: إن فرنسا ليس فيها مساواة، وقد نجد الغني يستطيع أن ينام تحت الكوبري مثله مثل الفقير".