ولدينا مَثَل آخر في إعلان حقوق الإنسان أو الهيومان رايتس Human r ights. ومن العجيب أن هذا المسمى لم ينشأ إلا في عام 1948 ، والأعجب منه أن ينشأ هذا الإعلان في نفس العام الذي تم فيه اغتصاب حقوق الفلسطينيين وكأن الفلسطينيين غير مخاطبين في هذا الإعلان. ألم نقل قبل ذلك أن الوثائق العامة التي يعدها البشر تخاطب مجموعة خاصة من الناس؟ إنها الحقيقية المرة بكل أسف.
إذًا، كل الدساتير الوضعية تخاطب فئة من الناس وليس كل الناس؛ ولذا فهي تأتي ظالمة في كل الأوقات؛ أما الدستور الوحيد الذي يخاطب كل الناس - المؤمنين وغير المؤمنين، فهو القرآن الكريم المنزل من عند الله سبحانه وتعالى العادل؛ ولذا فلا يمكننا أبدًا أن نقارن بين الدستور الأمريكي أو أي دستور وضعي وبين الإسلام، فالدستور البشري فيه تحيز وأنانية، أما الدستور الإلهي فهو يمثل العدل المطلق. وبناء على ذلك، فلا يجوز أبدًا القول بأن الدستور الأمريكي دستور إسلامي.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الدستور الأمريكي لا يحتوي على أية مفاهيم غيبية أو سنية. باختصار، ليس فيه أي بعد غيبي، فكيف نستطيع أن نصفه بعد ذلك بأنه إسلامي؟ إن الإسلام إيمان وعمل، فأين البعد الإيماني في ذلك الدستور؟
أما إذا تحدثنا عن المجتمع الأمريكي، فهو ليس بأحسن من المجتمعات العربية. فالحياة الأمريكية فيها العيوب مثل المجتمعات الإنسانية الأخرى. والتناقض بين الإعلانات الدستورية والتطبيق موجود في أمريكا مثلما هو موجود في المجتمعات العربية. فالفقير في أمريكا مثلاً يموت جوعًا ومرضًا، مثله مثل الفقير في مجتمعاتنا العربية.
وانتخابات الكونجرس مسيرة بالمال والنفوذ مثل ما يحدث في كل مكان. وهم يواجهون نفس المشاكل التي نواجهها في كيفية تمويل الانتخابات. فعند غياب الأخلاق - سواء في أمريكا أم في غيرها - تسود السلطة التنفيذية. إن النصوص المثالية كثيرة، ولكن أين التطبيق؟ لقد كان من الأجدى أن يناقش الكاتب هذا التضارب بين النظرية والتطبيق، وكيفية حصول المسلمين على حقوقهم في ظل تلك الدساتير"الرائعة".
هناك فارق بين الشورى والديمقراطية
نريد أن نوضح في هذا الصدد حقيقة هامة؛ وهي حقيقة ذات شقين: أولاً، أن الديمقراطية ليست كفرًا؛ وثانيًا: أن مبادئ الشورى ليست نسخة من الديمقراطية. فالشورى فيها من المبادئ ما يرقى عن الديمقراطية بمراحل.
ولنبدأ بالشق الأول؛ أولاً: إن من يقول: إن الديمقراطية كفر بدون فهم أو تريث، فهو خاطئ في حكمه. فمن القواعد المقررة لدى علمائنا السابقين أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. وبالتالي، فمن حكم على شيء يجهله - كما يقول الدكتور يوسف القرضاوي _ فحكمه خاطئ وإن صادف الصواب اعتباطًا؛ لأنها رمية من غير رامٍ.
ثانيًا: هل يعقل أن تكون الديمقراطية التي كافحت من أجلها الشعوب في الغرب وصارعت صراعًا مريرًا لتتخلص من الطغاة والمستبدين، منكرًا أو كفرًا؟ ثم، أليست الشعوب الإسلامية في أمس الحاجة إلى الديمقراطية لكبح جماح الحكم التسلطي؟
ثالثًا:"إن جوهر الديمقراطية من صميم الإسلام"كما يشير الدكتور يوسف القرضاوي. أو بقول آخر: إن دولة الإسلام تقوم على أفضل ما في الديمقراطية من مبادئ. وأفضل ما في الديمقراطية - أو جوهرها - أن يختار الناس من يسوس أمرهم، وأن يكون لهم حق محاسبته إذا أخطأ، وعزله إذا انحرف. والإسلام متفق جدًّا مع مبدأ اختيار الحاكم. وأكبر دليل على ذلك أن الإسلام ينكر أن يؤم الناس في الصلاة من يكرهونه، فما بالنا بالحياة السياسية؟ إذًا، فالاثنان يتفقان في محاربة الطغيان والفساد.
رابعًا: إن البشرية أوجدت للديمقراطية صيغًا وأشكالاً مثل الانتخاب والاستفتاء وترجيح حكم الأكثرية، وتعدد الأحزاب السياسية، وحرية الصحافة، واستقلال القضاء، وحق الأقلية في المعارضة.. إلخ. وكل هذه الأشكال ابتكرها الغرب وسبقنا فيها. وكان من الأجدر أننا كمسلمين أن نكون نحن السباقين؛ إذ إن الإسلام -ديننا الحنيف- سبق الديمقراطية بألف سنة؛ سبقها بتقرير القواعد التي يقوم عليها جوهرها. وفي نفس الوقت ترك"الأشكال"والتفصيلات لاجتهاد المسلمين وفق أصول دينهم ومصالح دنياهم وتطور حياتهم بحسب الزمان والمكان وتجدد أحوال الإنسان. ولكن، للأسف الشديد، تقاعس المسلمون؛ فسبقهم الغرب. وإلى أن يتيسر للمسلمين أن يطوروا من أساليب الديمقراطية لتحقيق الحياة المثلى، فعليهم الاقتباس، أي اقتباس الصيغ والضمانات الديمقراطية الضرورية التي ستوفر لهم العدل والشورى والوقوف أمام جبابرة الأرض. وبالمناسبة، فإن الشرع لا يمنع اقتباس فكرة نظرية أو حل عملي من غير المسلمين. فقد اقتبس رسول الله صلى الله عليه وسلم فكرة الخندق من الفرس، كما أنه جعل أسرى بدر المشركين يُعلمون المسلمين القراءة والكتابة. وكذلك اقتبس عليه الصلاة والسلام ختم كتبه من الملوك. واقتبس عمر بن الخطاب نظام الدواوين ونظام الخراج. وعلينا أن نعلم في النهاية أن: الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.