الرباط/ إدريس الكنبوري 25/10/1425
العلاقات بين دول المغرب العربي الخمس والدولة العبرية ليست بنت الساعة، بل تمتد تاريخياً إلى فترات متقدمة من القرن الماضي، حتى إن المراقب قد يتساءل عن المفارقة الموجودة بين بعد المنطقة عن مسرح الشرق الأوسط جغرافياً، وبين تسارع وتيرة التطبيع بين دولها الخمس، وبين الدولة العبرية.
فقد قطعت كل من المغرب وموريتانيا والجزائر وتونس خلال العقدين الماضيين أشواطاً كبيرة في التطبيع مع إسرائيل، وكان توقيع اتفاق أوسلو عام 1993م بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية بمثابة آلة الضخ في وتيرة التطبيع تلك، إذ سارعت بعض تلك الدول إلى إقامة علاقات ديبلوماسية مكشوفة مع الدولة العبرية مثلما فعلت كل من المغرب وموريتانيا، ولم تتوقف تلك العلاقات على المستوى الديبلوماسي بل طالت المستويات الاقتصادية والتجارية، وأخيراً وصلت إلى مستوى التعاون العسكري داخل نادي حلف شمال الأطلسي.
واللافت في هذه المعادلة أن الاختراق الإسرائيلي للمنطقة ظل يتصاعد بالتوازي مع الاختراق الأمريكي ورغبة واشنطن في التمدّد في المنطقة وإقامة شبكة من المصالح السياسية والاقتصادية والتجارية، وجعل المنطقة بوابة استراتيجية للتمدّد في العالم العربي.
إسرائيل والنادي المتوسطي
في 17 نوفمبر الجاري شاركت أربع دول مغاربية هي المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا، إلى جانب بلدين عربيين مشرقيين هما مصر والأردن ـ المرتبطين باتفاقيتي سلام مع الدولة العبرية عامي 1978م و1994م، هما اتفاقيتا"كامب دفيد"و"وادي عربة"ـ في أول قمة لرؤساء أركان ووزراء دفاع بلدان حلف الأطلسي في بروكسل ببلجيكا، ضمن ما يسمى بـ"مجموعة الحوار المتوسطي"التي تتشكل من البلدان العربية المذكورة إلى جانب الدولة العبرية. وتُعتبر تلك القمة الأولى من نوعها التي تجمع أعضاء الحلف مع بلدان الحوض المتوسطي، وتأتي تمهيداً للقمة التي ستنعقد في 8 ديسمبر القادم في العاصمة البلجيكية تحت عنوان"مستقبل علاقة الحوض المتوسطي مع حلف الناتو"، لكنها تعتبر الأولى التي يتم فيها إشراك الكيان الصهيوني منذ الإعلان عن انطلاق مشروع"الحوار المتوسطي"الذي دعا إليه الحلف عام 1994م.
المفاجأة أن هذا اللقاء جرى بعيداً عن الاهتمام الإعلامي الذي كان يتوجب أن يلقاه لدينا نحن في العالم العربي، وبالأخص في منطقة المغرب العربي التي أصبحت في الآونة الأخيرة مسرحاً لعديد من المناورات الأمريكية والصهيونية، الرامية إلى تطويعها والتأسيس لمشروعها الاستراتيجي الجديد لما بعد احتلال العراق في المنطقة العربية والعالم الإسلامي. فقد تزامنت تلك القمة مع التحضير لعقد"منتدى المستقبل"في الرباط في منتصف الشهر القادم، وهو المنتدى الذي يُعد الخطوة الأولى في إطلاق مسلسل الإصلاحات التي دعا إليها مشروع الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا في العالم العربي والإسلامي قبل عام، بما يشير إلى أن هناك مرحلة جديدة وفاصلة تبدأ في المنطقة عنوانها الأبرز اختراق أمريكي ـ إسرائيلي أكبر.
حماية عربية لإسرائيل؟
منذ الإعلان عن مشروع الحوار المتوسطي عام 1994م، وانطلاق المفاوضات لإقناع الدول العربية والمغاربية للانضمام إليه، كان الهدف المرسوم لحلف شمال الأطلسي هو التركيز على الضفة الجنوبية للمتوسط وقضايا الإرهاب الدولي والسلام والتعايش. وقد أصبح ذلك المشروع يكتسي أهمية أكبر لدول الحلف والولايات المتحدة الأمريكية بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001م، ورفع واشنطن لافتة"محاربة الإرهاب الدولي"، منذ ذلك الوقت برز الحوض المتوسطي كواجهة أمامية لتطبيق الاستراتيجية الأمنية الجديدة للحلف، والتي جرى تسطيرها في قمة روما بإيطاليا قبل عامين.
الدول العربية المشاركة في الحوار المتوسطي ليس أمامها سوى التصديق على الاستراتيجية الأمنية الجديدة لحلف الناتو والسير على خطوطها، في ضوء المفهوم الجديد للتحديات الأمنية بالنسبة لبلدان الحلف ما بعد مرحلتي نهاية الحرب الباردة وتفجيرات 11 سبتمبر، الأمر الذي يُلقي عليها أعباء أمنية، على رأسها ضمان الحماية لأعضاء الحلف كلما كانت هناك تهديدات تواجهها، باعتبار أن ذلك هو أحد المبادئ الكبرى التي حددتها قمة روما.
وقد جرى الحديث في اللقاء الأخير بين أعضاء الحلف وبلدان الحوار المتوسطي ـ ومن ضمنها إسرائيل ـ عن إمكانية مشاركة هذه الدول في أي قوات عسكرية يرسلها الحلف إلى العراق وفلسطين، لاستتباب الأمن في الأولى وضمان انسحاب إسرائيلي هادئ في الثانية، في حال ما إذا نفّذ شارون خطته الانسحاب من غزة.
ويبدو أن القضية لا تقتصر على التعاون العسكري والأمني بين البلدان العربية المشاركة في الحوار المتوسطي وبين بلدان حلف الناتو، وإنما تتعداه إلى التوافق حول مبدأ ضمان أمن إسرائيل والتوقيع بالمصادقة على واقع الاحتلال الأمريكي والبريطاني في العراق، وذلك هو النفق الذي يتم جر الدول العربية الست إليه.