إدريس جالو*
النزاعات في أفريقيا (ساحل العاج نموذجا) (2) في المرة الماضية ذكرنا النزاعات في القارة الأفريقية ودور القوى الإستعمارية فيها، والمخططات التي وضعوها من أجل تفتيت القارة لتنفيذ أجندتهم الخفية، واليوم سنتناول جانب من هذه الأجندة الخبيثة في المنطقة الإسلامية غرب أفريقيا، فهذه الدول الواقعة في تلك المنطقة قد تعرضت كثير منها إلى نزاعات دامية تركزت معظمها على السلطة في أحايين كثيرة، وفي بعض الأحيان أيضا يكون الصراع إثنيا، وهذه كلها ضمن سياسة الإستعمار الأوربي الذي ترك بؤرا تسبب النزاعات بين الدول؛ ليستفيد في التدخل في شؤون تلك الدول ولتنفيذ أجندته الخفية؛ سواء في نهب الموارد أو أهدافه التنصيرية؛ كما حدث في ليبيريا عندما نشب الحرب الأهلية عام 1989م، وسيراليون التي بدأت الحرب الأهلية فيها في مارس 1991م بعد دخول قوات الجبهة الثورية المتحدة بقيادة فودي سنكو إلى أراضيها، إلى غيرها من النزاعات في منطقة غرب أفريقيا.
لكننا في هذا المقال سنركز على النزاع في ساحل العاج لأن الصراع فيها خطير، فساحل العاج لا تختلف حالتها عن العديد من الدول الأفريقية من حيث ترسيم الحدود الإستعمارية بصورة غير موضوعية، فقد تم ترسيم الحدود بحيث ضم هذا البلد كتلة سكانية من المسلمين في الشمال؛ كانت تنتمي بحكم الجغرافيا والعرق إلى كل من مالي وبوركينا فاسو، ومن ثم نشأ التنافس بين الشمال الذي يغلب عليه المسلمون وبين الجنوب ذو الغالبية المسيحية، وتحول هذا التنافس إلى نزاع حاد في التسعينات من القرن الماضي.
,,تعرضت كثير من دول أفريقيا إلى نزاعات دامية تركزت على السلطة وأحيانا يكون الصراع إثنيا وهذه ضمن سياسة الإستعمار الذي ترك بؤرا تسبب النزاعات ,,
ويمكننا معرفة حقيقة وتطورات هذا النزاع من خلال متابعة الحكومات المتعاقبة في ساحل العاج منذ الاستقلال.
الحكومة الوطنية الأولى عام 1960م كانت برئاسة (فيلكس هوفيه بوانجيه) الذي قاد الكفاح السياسي ضد الإستعمار من أجل الإستقلال، وحكم البلاد بعد الإستقلال إلى وفاته عام 1993م، ونجح خلال حكمه لمدة 33 عاما في خلق الإستقرار والتعايش بين القبائل التي تقدر في هذا البلد بنحو 63 قبيلة، وكذلك بين الديانات المختلفة، لكن هذا الوضع كان يمكن وصفه بالهدوء الذي يسبق العاصفة، بحيث توفي بوانجيه وكثير من قضايا البلاد عالقة دون حل خاصة مشكلة شمال البلاد.
الحكومة الوطنية الثانية عام 1993م برئاسة (هاري كونا بيديه) بعد وفاة بوانجيه، بدأت مرحلة جديدة بحيث بدأت ظهور بوادر النزاعات والتوترات الإثنية في المجتمع الإيفواري، وكذلك التنافس على السلطة بين الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة، ومن هنا بدأت الشرارة الحقيقية للحرب الأهلية حيث ركز هاري بيديه على"المواطنة الأصلية"وذلك بهدف إقصاء معارضيه في الانتخابات أبرزهم (الحسن وتارا) رئيس الوزراء السابق وزعيم"تجمع الجمهوريين"المسلم.
الانقلاب العسكري في ديسمبر 1999م بقيادة الجنرال روبيرت غي، الذي تحول إلى الحكومة الانتقالية بعد تدخل منظمة الوحدة الأفريقية، وبعد إجراء الانتخابات فاز زعيم الجبهة الشعبية (لوران بغابو) الرئيس الحالي على الجنرال غي رئيس الحكومة الانتقالية، وحاول هذا الاخير رفض النتائج باستخدام القوة؛ مما ترتب عنه مظاهرات ومواجهات بين أنصار بغابو وأنصار الحسن وتارا من جهة وقوات الامن من جهة ثالثة، قتل فيها عدد كبير من المدنيين واحرقت دور للعبادة، وشرد الآلاف.
وكان الجنرال غي قد عدل الدستور ليشترط أن يكون رئيس الجمهورية من أب وأم إيفواريين ليستبعد الحسن وتارا من انتخابات عام 2000م؛ المتهم بأنه من أصول بوركينابية.
الحكومة الوطنية الرابعة عام 2000م برئاسة زعيم الجبهة الشعبية (لوران بغابو) ، وكان تلك المرحلة بداية شعور المجتمع الدولي والإقليمي بخطورة الصراع في سا حل العاج، وبدأت الوساطات بين الفرقاء لحل الازمة، وتمت وساطة إقليمية أفريقية للمصالحة الوطنية في لومي عاصمة توغو بين بغابو والحسن وتارا، الذي ينتمي الى شمال البلاد ذو الأغلبية المسلمة، وكان أهم نتائج المحادثات إعادة الانتخابات الرئاسية بمشاركة جميع الاطراف المتصارعة، ووقف سياسة العداء الديني والعرقي في البلاد، وحسم قضية الجنسية لزعيم المعارضة الحسن وتارا المتهم كما أسلفنا بأن جنسيته من بوركينا فاسو حيث كان يدرس هناك من قبل، وهذا الإدعاء وإن كان صحيحا تاريخيا إلا ألأن ظهوره في الوقت الراهن يثير التساؤلات بأن وراءه أهداف خفية لأن وتارا تقلد مناصب عليا في ساحل العاج (رئيس الوزراء وممثلا في المحافل الدولية) إذاً لماذا إثارتها بهذه الصورة الآن؟؟!!