سلمان بن فهد العودة 17/1/1426
إن الحب في الله هو الإكسير الذي يحطّم العوائق، ويربط القلوب والنفوس مهما تباعدت في مواقعها ومواقفها ومداراتها واتجاهاتها وانشغالاتها؛ فلنرفع راية المحبة في وجه كل أعاصير الكراهية والبغضاء !
إن العصر الذي نعيشه يضجُّ بالمظالم والعدوان والقتل والعنف ؛ مرة باسم الحرية ، ومرة باسم الديمقراطية ، ومرة باسم السلام ، ومرة باسم الإسلام ؛ فلنعالج ذلك كلّه برفع راية المحبة والوئام ، ومحبة الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، و المحبة في الله وفي رسوله - صلى الله عليه وسلم - من خصائص المؤمنين ، يقول الله -عز وجل-: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة:54] .
ولندرك أن العسر كلمة صغيرة محفوفة باليسر قبلها واليسر بعدها ولن يغلب عسر يسرين .. (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [الشرح:5-6] .
إِذَا ضَاقَتْ بِكَ الدُّنْيَا ……
فَفَكِّرْ فِي أَلَمْ نَشْرَحْ
فَعُسْرٌ بَيْنَ يُسْرَيْنِ ……
تَأَمَّلْ فِيهِمَا تَفْرَحْ
والحياة أيضاً كما هي مليئة بالعوائق، والعقبات، والنكبات؛ مليئة بالفرص. فإذا نظرت إلى الجانب المظلم؛ فاختلس نظرة أخرى إلى الجانب المشرق، ولتكن رسالةُ العصرِ تبشيراً بالمحبة والفرج والتيسير من الحكيم الخبير.
هذه خواطر أخوية هدفها المناصحة والمصافحة والمصالحة ، وقد كان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا تلاقوا لم يفترقوا حتى يقرأ أحدهم على الآخر سورة العصر ثم يسلم أحدهما على الآخر، كما رواه الطبراني في الأوسط [ 5124] والبيهقي في شعب الإيمان [8639] وسنده جيد.
إن من الفقه القرآني العناية بالمسائل الكبيرة والمهمة وإعطاءها حقها، بينما نغرق كثيراً .. كثيراً في مسائل من الدرجة الثالثة أو العاشرة .. وتستغرق الكثير من جهدنا وطاقتنا ، وطاقة الإنسان محدودة فإذا استغرقها في التفاصيل والجزئيات انقطع عن التأصيل والكليات ، وانشغل بالمسائل الصغار عن الكبار ، والصحابة-رضي الله عنهم- كانوا يتذاكرون هذه السورة لما فيها من أصول المسائل التي يجدر بالمسلم العناية بها ، ولأنها تربية على الأصول الكبرى ، وقد ينشغل المرء بالمفضول عن الفاضل ، وهذا من مداخل الشيطان كما ذكره أهل العلم، أو يتحرج المرء من صغيرة ويقدم على كبيرة ، وكان ابن عمر يقول لأهل العراق: ما أسْأًلَكم عن الصغيرة وأجرأكم على الكبيرة ، تقتلون الحسين ابن بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتسألون عن دم البعوضة.
والذين يجلدون الإمام أحمد بن حنبل كانوا يسألونه عن الدم الذي ينضح على ثيابهم ، وكانوا ينتقدونه على أن يصلي وهو جالس والقيد في يديه وفي رجليه؛ ولذا فإننا نقف هنا مع ثلاث مسائل مهمة:
أولها: الزمان.
الثانية: الإنسان.
الثالثة: العمل.
هذه المسائل الثلاث هي سر النجاح والفلاح في الدنيا ، وهي سر الفوز والنجاة في الدار الآخرة ؛ ولنقف عند كل واحدة منها.
أولاً: الزمان.وهو العصر .. وهو البريء المتهم المظلوم، فالناس كثيراً ما يلقون مشاكلهم وإخفاقاتهم على الزمان ، وهو مجرد وعاء ليس له ولا عليه ، هو طرف محايد، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن سب الدهر ، وقال عن ربه تبارك وتعالى:"يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلّب الليل والنهار"أخرجه البخاري [4826] ، ومسلم [2246] من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ومعنى (أنا الدهر) أي أن ما ينسبه الناس إلى الدهر إنما هو بمشيئة الله تعالى وقدره، فهو خالقه سبحانه، ولا شيء في هذه الدنيا يتم عبثاً ولا اعتباطاً، وإنما هو بتقدير الحكيم الخبير.
نعيب زماننا والعيب فينا ……
وما لزماننا عيب سوانا
وقد نهجوا الزمان بغير جرم ……
ولو نطق الزمان بنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئب ……
ويأكل بعضنا بعضاً عيانا
وقد أقسم الله تعالى بالعصر لعظمته وأهميته وضخامة أثره، فهو ظرف العمل ووعاؤه ، وهو سبب الربح في الدنيا والآخرة أو الخسارة فيهما، ولهذا قيل: الوقت هو الحياة ، قال الله تعالى:"وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا" [الفرقان:62] قال ابن عباس من فاته عمل الليل قضاه بالنهار ، ومن فاته عمل النهار قضاه بالليل.