فهرس الكتاب

الصفحة 1877 من 27364

د. أحمد عبدالرحمن

كانت علاقات الرجال بالنساء إحدى التحديات الكبرى التي واجهت الأمة المسلمة في العصر الحديث , وقد طرح الغرب الأوروبي الأمريكي رؤاه لها , فإذا هي تناقِض - في الصميم - شريعة الإسلام التي تنظم تلك العلاقات , وهكذا ظهرت"قضية المرأة", وتطورت وتضخمت هذه الأيام , ودار الصراع بين الإسلام والرؤية الغربية في محاولات مستميتة لإحلال تلك الرؤية محل الشريعة الإسلامية .

وربما كان"مؤتمر بكين", ومن قبله"مؤتمر القاهرة"- أحدث الحلقات في ذلك التحدي الاجتماعي , والأخلاقي , والتشريعي الكبير , وها هي وزارة الثقافة المصرية تطرح القضية في"مؤتمر جديد"يروج لوجهة النظر العلمانية .

ونستعيد - أولاً - صورة موجزة لتلك العلاقات كما يمليها الإسلام , فنقول: إن الإسلام لا يقر أي اتصال بين الرجال والنساء إلا من خلال الزواج الشرعي بشروطه الشرعية المعروفة عند المسلمين , وهو يحرم كل ضروب الفحشاء (ما ظهر منها وما بطن) , ويطبق عقوبات رادعة على مقترفيها , وقبل العقوبات يشرع الإسلام لفتح كل الأبواب لتيسير الزواج , والإحصان , كما يغلق كل أبواب الحرام , ويضع من التدابير الوقائية ما يحُول بين المسلمين , وبين الرذيلة , ابتداءً من مجرد النظرة إلى المرأة الأجنبية , والخلوة بها , وهو يحارب الشائعات المغرضة , ورمي المحصنات , وينظف المجتمع المسلم من كل ما يحض على الرذيلة , أو يزينها , أو يهون ارتكابها , ثم إنه يسمح بتعدد الزوجات , ويبيح الطلاق , وينهى عن"عَضْل"النساء , وعن تبتُّل الرجال , هذا فضلاً عن ضمانات العقيدة الإسلامية.

* هذه هي معالم العفة الجنسية في الإسلام , ومعالم نظامه لعلاقات الرجال بالنساء , وتنعكس"العفة"أو"العفاف"على مظهر المسلم وملبسه - رجلاً كان , أو امرأة - فالمرأة منهية عن التبرج , ومأمورة بلباس الحشمة والوقار والستر , والرجل مأمور بستر العورة , وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك"؛ فسأله سائل: فالرجل يكون مع الرجل؟ (يعني: أيجوز أن يكشف الرجل عورته لرجل آخر ؟) , فقال صلى الله عليه وسلم:"إن استطعت ألا يراها فافعل !", فعاد الرجل يسأل: فالرجل يكون خالياً , (يعني: أيجوز للرجل أن يعري عورته وهو في خلوة ؟) , فقال صلى الله عليه وسلم:"الله أحق أن يُستحيا منه", وقد تحدثت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - عن حالها مع النبي صلى الله عليه وسلم فقالت:"ما رأيت ذلك منه , ولا رأى ذلك مني" (أورده القرطبي في تفسيره) .

* وهكذا نرى أن معالم النظام الإسلامي هي: العفاف والستر , والحرص الشديد على صيانتهما إلى أقصى الحدود الممكنة .

* وفي مواجهة"العفاف والستر", جاء التحدي الأوروبي مناقضاً لهما ؛ فأوروبا الحديثة رجعت إلى التراث اليوناني , والروماني الوثني , ونبذت شريعة التوراة والإنجيل , ولم يحافظ على تعاليمهما إلا قلة قليلة من الناس , وعند اليونان كان الشذوذ منتشراً , وقد كانوا وثنيين , وقد لقي الشذوذ عند كُبرائهم الرضا والموافقة, ومن أولئك"سولون"و"يوربيدس"و"أفلاطون", ومعلوم أن أفلاطون كان قد رسم نظاماً مثالياً لدولته الخيالية , وجعل النساء فيها"مشاعاً"في طبقة الجنود , وعلى هذا التراث بُنيت علاقات الرجال والنساء , بعد الثورات العلمانية الحديثة التي نبذت المسيحية ؛ فكانت مضادة للعفاف الذي يفرضه الإسلام.

* وكان اليونان ضد"الستر"أيضاً , وكان من عادة الرياضيين أن يشاركوا في المسابقات المختلفة , وهم عُراة عُرياً تاماً , وزعم أفلاطون أن"الأفضل تعرية الجسد", كما زعم أن العري لم يعد يثير السخرية عند اليونانيين ؛ بعد أن كشف لهم العقل عما يثير السخرية , وما لا يثيرها ! (الجمهورية: الفقرة رقم 453) , وكان اليونانيون يظنون أن الجمال البشري يبلغ ذروته في الجسد الإنساني العاري ؛ ولهذا كان الجسد العاري هو الموضوع المسيطر في فن النحت اليوناني , وعند تأسيس كليات الفنون في العالم الإسلامي في العصر الحديث أُبيح رسم الأجساد العارية محاكاة لما يقع في مثيلاتها في بلاد الغرب , دون اعتبار لدين الأمة أو شريعتها !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت