فهرس الكتاب

الصفحة 1878 من 27364

* والحق أن الدول الأوروبية - التي احتلت معظم بلاد المسلمين - سعت منذ وطئت أقدامها تلك البلاد لإحلال نماذج العلاقات الأوروبية بين الرجال والنساء محل"العفاف والستر", وقد أدركوا أن هذا الإحلال يمثل شطراً مهماً جداً في مشروعهم للقضاء على هوية الشعوب المسلمة واستقلالها الاعتقادي والتشريعي والأخلاقي , وكانت علاقات الرجال والنساء مدخلاً لذلك , فلم يتوانوا عن استغلاله , ووجد المسلمون أنفسهم في مواجهة هذا التحدي , والعدو هو المسيطر على شئون بلادهم ؛ فبيده السلطة والمال , ومعه الشهوات الحيوانية الفطرية , وهو يزين للناس الهبوط والانفلات من ضوابط العفاف والستر , والمسلمون يدعونهم إلى الارتفاع عن الدنايا والرذائل , والالتزام بأخلاقيات دينهم , ورفض الغوايات التي يقدمها المستعمرون , والامتناع عن محاكاة نسائهم في تبرجهم ومجونهم وإسفافهم .

* شرع المستعمرون الأوروبيون - فور احتلالهم للبلاد الإسلامية - في إحلال نظمهم (أو فوْضاهم إن شئت الدقة) محل أخلاقيات"العفاف والستر"الإسلامية , وهذا أنموذج لذلك يتمثل فيما صنعته جيوش فرنسا الاستعمارية في مصر والمصريين بقيادة نابليون .

* إن المؤرخين المغرضين يتحدثون عن العلماء الذين جلبهم نابليون معه لخدمة جيشه , ولا يذكرون أنه جلب معه أكثر من 300 امرأة , كُنَّ بمثابة البذور الخبيثة لنشر البِغَاء في القاهرة , وفي هذا يقول كريستوفر هيرولد - المؤرخ الأمريكي - في كتابه"بونابرت في مصر":"وأفلحت نساء أُخريات - غير المرافقات بإذن , تنكَّرن في زي جند في فرق أزواجهن - في التسلل إلى ناقلات الجنود , وبلغ عدد النساء المرافقات للحملة جميعاً نحو 300 امرأة" (الترجمة العربية , ص38 , 217) , فماذا فعلت تلك النسوة ؟ , وماذا فعل الضابط والجنود في جيش الاحتلال بأخلاق العفاف والستر ؟ .

* لقد كان المجتمع المصري ملتزماً بالإسلام وأخلاقياته , وكان كل خروج عليها يلقى الردع والعقاب , وكان الحجاب على رؤوس النساء جميعاً , حتى المسيحيات واليهوديات المصريات , ولم تُرَ امرأة سافرة , إلا زوجات القناصل الأوروبيات (نفسه , ص199) , ولكن في مُناخ الاحتلال , ومع انتشار النساء السافرات من الفرنسيات في شوارع القاهرة , واستهتارهن الشديد , وتبذُّلهن , أخذت بعض النساء - غير المسلمات - في محاكاتهن , وبعد حوالي 14 شهراً , انقلبت الأوضاع انقلاباً شنيعاً ! .

* وهذا هو الوصف الذي سطره"الجبرتي"- المؤرخ الأمين , وشاهد العيان على أحداث تلك الفترة الحالكة السواد من تاريخ مصر - حيث يقول في تقريره عن أحداث يوم 24/3/1214 هـ:"وخرجوا تلك الليلة عن طورهم (يقصد أنهم تجاوزوا حدود الشرع والعرف) , ورفضوا الحشمة , وصحبتهم نساؤهم , وقَحَّابهم , وشرابهم , وتجاهروا بكل قبيح من الضحك والسخرية والكفريات , ومحاكاة المسلمين (يقصد تقليد أفعال المسلمين سخرية منهم !) , ووقع تلك الليلة بالبحر (يقصد نهر النيل) وسواحله من الفواحش , والتجاهر بالمعاصي والفسوق , ما لا يكيف ولا يوصف , وسلك بعض غوغاء العامة , وأسافل العالم (يقصد أسافل الناس) ورعاعهم مسالك تسفل الخلاعة , ورذالة الرقاعة , بدون أن ينكر أحد , على أحد من الحكام أو غيرهم , بل كل إنسان يفعل ما تشتهيه نفسه , وما يخطر على باله , وإن لم يكن من أمثاله"!

* وهذه الكلمات الأخيرة تشير إلى ما كان سائداً قبل الاحتلال من إنكار للمنكرات من قِبَل السلطات , ومن قِبل الشيوخ وعامة المسلمين , ثم وقعت التغيرات , و"الجبرتي"يصف ذلك فيقول إنه في سنة 1213هـ - أول سنة للاحتلال -:"لما حضر الفرنسيس - أي الفرنسيون - إلى مصر , ومع البعض منهم نساؤهم , كانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم , وهن حاسرات الوجوه , لابسات الفساتين , والمناديل الحرير الملونة , ويركبن الخيول والحمير , ويسوقونها سَوْقاً عنيفاً , مع الضحك والقهقهة , ومداعبة المكارية معهم , وحرافيش العامة (يقصد أسافل العامة) ؛ فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء من النساء والأسافل والفواحش", ومن الواضح أن استبشاع خروج النساء"حاسرات الوجوه"مرُّده إلى ما كان سائداً من الستر للنساء , وتغطية وجوههن بالبراقع , واستنكار الملابس الملونة مرده إلى أن النساء لم يكُنّ يخرجن إلا ملفوفات في العباءات السوداء , أو الثياب السوداء , أو الزرقاء , وكذلك بقية الأوصاف المنكرة التي أوردها , ما رآها كذلك إلا لتناقُضها مع أخلاقيات البلاد المستقرة , وبدأت"الطبقة السفلى"من النساء في تقليد الفرنسيات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت