فهرس الكتاب

الصفحة 3727 من 27364

د.خالد محمد العصيمي

إن المدقق في المتغيرات العالمية المعاصرة التي تحدث في حياتنا اليوم يتبين له أنها أكثر من مجرد أزمات طارئة تنتهي بدخول العالم القرن الحادي والعشرين أو بإحداث تعديلات طفيفة على سلوكياتنا ومهاراتنا اليومية، بل إنها تشير إلى انبثاق عصر جديد فكرًا ومفهومًا وتطبيقًا.

فالعلم يتطور خلال لحظات، والقيمة المضافة الناتجة عن تطبيقاته زادت من عمليات ابتكاره واحتكاره وتقادمه، وكل يوم تظهر علوم وتخصصات جديدة وغير معروفة من قبل، والتوجه المستقبلي لها يتمركز في التخصصات «البينية» وفي إيجاد مداخل بحثية تحتوي هذه الفروع، أما المعلوماتية فتتميز بالسيطرة والتفاعل والتواصل الزمني والمكاني، مما زاد من توظيفها في العملية التعليمية والتعلّمية، وأدى إلى ظهور أنماط ومؤسسات تعليمية جديدة وغير معروفة من قبل، والتوجه المستقبلي لها يتمركز في النظم الذكية التي تتميز بالذوق والشمّ والإحساس، وفي تنمية ما يعرف بـ «الذكاء الجمعي» .

أما متغيرات العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية فربطت العالمي بالمحلي، وجعلت العالم قرية كونية صغيرة تتبادل التأثيرات والأحداث والتطورات في كافة المجالات، والتي على الإنسان العالمي أن يتعلّم العيش في هذه القرية العالمية بما تستلزم من قيم واتجاهات وسلوكيات تؤهله لمعرفة الآخرين والتعامل معهم واحترام خصوصياتهم الثقافية، وأن يتعلّم ليعمل في ظل تزايد التكتلات الاقتصادية والاندماجات والمواصفات العالمية واتفاقيات منظمة التجارة العالمية (WTO) ، وفي ظل تزايد ارتباط اقتصاديات الدول، وتزايد انتقال السلع والخدمات والعمالة ورؤوس الأموال والاستثمارات فيما بينها، واشتداد المنافسة في الأسواق المحلية والعالمية بحيث يصبح البقاء للأصلح والأجود والأقل تكلفة في نفس الوقت، كما عليه أن يتعلّم كيف يشارك في بناء المجتمع المدني على أسس الديمقراطية والمواطنة والحوار الإيجابي والتعددية الثقافية، وبناء السلام والتعاون الدوليين، في ظل تزايد الاعتماد المتبادل.

ويعتبر النظام التعليمي شديد التأثير والتأثر بالمتغيرات العالمية المحيطة، وحيث إن المعلم حجر الزاوية في العملية التعليمية، وأحد أبرز عناصر النظام التعليمي، فإن الأدوار التي يقوم بها والوسائل والطرق التي يستخدمها سوف تتأثر تبعًا لذلك، مما يستوجب تحديد هذه المتغيرات، ومدى تأثيرها في تكوين المعلم، ومن ثم اقتراح البرامج اللازمة لتمكين المعلم من التفاعل الجاد مع هذه المتغيرات، ولذا تتلخص مشكلة البحث في السؤال الرئيس الآتي: ما تأثير المتغيرات العالمية المعاصرة في تكوين المعلم؟

وتهدف الدراسة إلى الإجابة عن الأسئلة التالية:-

ــ ما أبرز التغيرات العالمية المعاصرة؟

ــ ما الآثار المترتبة على المتغيرات العالمية المعاصرة في تكوين المعلم؟

ــ ما المقترحات اللازمة لتمكين المعلم من التفاعل الجاد مع المتغيرات العالمية المعاصرة؟

ولذا استخدمت الدراسة المنهج التحليلي الاستنباطي، الذي يهدف إلى رصد وتحليل المتغيرات العالمية وتحديد ما ينتج عنها من تأثيرات على النظام التعليمي، وذلك من خلال استعراض العديد من الدراسات المحلية والعربية والأجنبية التي تمثل جهودًا بحثية قيمة في مجال التربية، حيث دراسات (عبدالحليم، 1998م) ، و (برونر، 2001م) ، و (الغامدي، 1422هـ) ، ودراسات (اللقاء الحادي عشر لقادة العمل التربوي «المعلم في عصر متجدد» ، 1424هـ) ، وتوصيات (ندوة التربية والعولمة، 1425هـ) ، و (الحوات، 2004م) التي تؤكد نتائجها وجود آثار عديدة للمتغيرات العالمية على التعليم، تشمل النظم التعليمية بأهدافها ووظائفها وعناصرها «المدرسة والمعلم والمتعلم والمنهج» ، وأهمية تطوير كليات المعلمين وبرامج إعداد المعلم لتتناسب مع هذه المتغيرات وفق ثوابت سياسة التعليم، وملاءمة برامجها لاحتياجات المجتمع، وتحسين نوعيتها وجودتها، وتوظيف التقنية الحديثة في زيادة فعاليتها وإثراء مفرداتها لضمان خبرات مطولة ومنظمة ومنهجية لمعلم المستقبل.

أولًا: المتغيرات العالمية المعاصرة

تحدث عملية تغيير شاملة في العالم المعاصر فكرًا ومفهومًا وتطبيقًا، وذلك من خلال سلسلة مترابطة ومتعددة الأبعاد والمحاور تشمل تحولات وتطبيقات سواء في الكم أو الحجم أو المحتوى، ويؤثر كل متغير منها في الآخر، ويتضمن كل تغير منها جدلًا علميًا كبيرًا فيما بين الفرص والمخاطر.

وتقصد الدراسة بالمتغيرات العالمية المعاصرة المفاهيم والأفكار والتطبيقات الجديدة التي طرأت واستجدت على الأبعاد الرئيسة التي تشكل العالم المعاصر، وهي الأبعاد: المعرفية، والمعلوماتية، والاقتصادية، والسياسية، والثقافية، التي يتم تفصيلها على النحو الآتي:-

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت