كمال حبيب
عرف العالم الإسلامي منذ وجوده الأول المدارس الدينية التي قامت بتفسير القران الكريم والسنة النبوية المطهرة ، صحيح أن ذلك بدأ بشكل فردي حيث كان الصحابة يقومون بنقل ما سمعوه عن صلى الله عليه وسلم شفاهة ثم جاء التابعون من بعدهم لنقل ما أثر عن الصحابة ثم تكونت المدارس الفقهية واللغوية والأدبية . وكان كل نشاط العقل المسلم يدور حول الإسلام والقرآن والسنة ، وعلماء التفسير والبيان والسنة والجرح والتعديل جميعهم كان نشاطهم العقلي والفكري يستلهم الإسلام ويدور حوله من أجل بيانه وشرحه والحفاظ عليه ، ولم تكن المدارس الفقهية أو اللغوية أو الحديثية أو البيانية ، ذات بيان ولها رسوم مقررة ، ولكنها في أغلبها عمل تطوعي وأهلي ومجتمعي.
فأبو حنيفة مثلاً كان تاجراً لكنه متوافر على تأسيس مدرسة فقهية عريقة تعود بجذورها إلى الصحابي الجليل عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ الذي كان يحكم ويقضي ويجتهد؛ هذه المدرسة الفقهية هي تلامذته الذين نقلوا العلم عنه «كأبي يوسف» و «محمد بن الحسن الشيباني» وغيرهم من المجتهدين والعلماء والقضاة، ثم تبلور في النهاية «المذهب الحنفي» الذي هو طريقة في المنهج لفهم الشريعة، وكذا الشافعي وكذا «الإمام مالك» إمام أهل المدينة بلا منازع ثم الإمام «أحمد بن حنبل» .
وكان يحدث في هذه المدارس الإسلامية تلاقح فكري وقواعد في الفهم والاجتهاد وهي آية في التضلع الفكري والعلمي العقلي بمعناه الواسع؛ فالنشاط العقلي والفكري للحضارة الإسلامية هو بالأساس نشاط حول الإسلام وعلومه، وهذا الذي مثل النسق المعرفي الإسلامي بالأساس، ثم ظهرت جماعات من شذاذ الفكر الذين تلوثوا بالفكر اليوناني الوثني، والأفكار النصرانية والخوارجية البدعية، وكان ذلك في الواقع جزءاً من محاولة العدوان على الفكر الإسلامي الأصيل، لكن هذا الفكر الشاذ ظل هامشياً، وكان أهله محاصرين بحكم الشعور الإسلامي العام وبحكم علو الشريعة فكراً وسلطة. كما أن طبيعة العصر التي لم تكن تحقق التواصل، وكان كل عالم يعيش وحده، وهو ما جعل آثار هذا التفكير محدودة وليس لها واقع في حياة الأمة والناس؛ لكنه مع نهاية القرن السابع عشر ومع هزيمة الدولة العثمانية عسكرياً أمام الجيوش النصرانية الغربية، بدأت السفارات إلى الغرب، وبدأ استقدام متخصصين في العلوم البحتة ذات الطابع العسكري بالأساس، ولأول مرة جرى استقدام غير مسلمين للتخطيط والتدريس في الجيوش الإسلامية؛ كما بدأ إرسال المبعوثين، وهنا جرى أول اختراق حقيقي للعالم الإسلامي؛ حيث تكونت البذور الأولى داخل المؤسسات الإسلامية والتي تحمل أشواقاً لعالم الأعداء، وتؤمن أن تقليدهم في القيم والأفكار يمكن أن يحقق النهوض للعالم الإسلامي، ثم صار الإيمان بهذا الفكر الوافد قيمة للعمل من أجل تحطيم العالم الإسلامي وليس النهوض به.
ومن المثير أن يكون الجيل الأول من العلمانيين في العالم الإسلامي قد اشتد عوده وقويت شوكته في مؤسسات الدولة العثمانية حاملة راية الإسلام في هذا الوقت، بل إن السلاطين أنفسهم كانوا من الذين حملوا الترويج لهذه الأفكار منذ منتصف القرن التاسع عشر. نعم كانت هناك ضغوط غربية من الخارج! لكن نمط التعليم الغربي اخترق أعلى مؤسسات الدولة كما حدث في الدولة الأموية والعباسية والتي جرى اختراق مؤسسة صنع القرار فيها عبر تبني الخلفاء والملوك للمذاهب القدرية والباطنية، وتسلط على مؤسسة الخلافة ذاتها المعتزلة والمبتدعة. ثم انتقل الأمر من عاصمة الإسلام إلى مصر؛ حيث رحل طلاب العلم إلى أوروبا في كافة الشُّعَب لكن أخطرهم كان «رفاعة الطهطاوي» إمام أول هذه البعثات، وجاء من بعده «محمد عبده» ومن قبله «الأفغاني» وتأسست مدرسة يمكن وصفها بالمصطلحات المعاصرة «مدرسة التفسير الاستعماري للإسلام» . ومن المدهش أن يكون سعد زغلول، وقاسم أمين، وعلي عبد الرازق وغيرهم تلامذة في هذه المدرسة التي كانت وثيقة الصلة بالإنجليز. لكن التعليم الإسلامي استرد عافيته بهبة الأمة من أجل الدفاع عن دينها وإسلامها وتعليمها.
تدمير الأزهر:
وظل الأزهر في مصر المدرسة التي تحمي التعليم الديني، وكان لها تقاليد صارمة علمية في الضبط والتحرير والإنتاج العلمي، ثم ظهرت مدرسة «دار العلوم» التي تخرج فيها الشيخ حسن البنا، والأستاذ سيد قطب، ودار القضاء الشرعي التي تخرج فيها الشيخ جاد الحق، وكان القصد منها ضرب الأزهر، لكنه ظل قوياً.
ثم جاء انقلاب يوليو وأصدر قانون «تطوير الأزهر» حيث فصل أوقافه عنه، واستولت عليها وزارة الأوقاف، كما جعل شيخه تابعاً لوزير يساري في هذا الوقت هو كمال رفعت، وأدخل التعليم المدني فيه مثل الطب وغيره بقصد تخريج كوادر دعوية لمواجهة التبشير.