فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 27364

حلمي محمد القاعود

يتفق"الشوباشي"، مع هؤلاء الأجانب والعرب في أن الفصحى هي سبب تخلفنا، وأنها تحول بيننا وبين الرقيّ لما فيها من صعوبات وتعقيدات، واختلف معهم في أنه لم يدع إلى العامية صراحة، وإن كان قد دعا إلى ما يقود إليها، في نهاية المطاف.

لقد طالب بإلغاء المثنى ونون النسوة والمفعول به والتمييز وعدم استخدام التشكيل، كما طالب بإلغاء البلاغة العربية والمحسنات البديعية، ورأى أن كلمة"إللَّي"بالعامية تنوب عن اسمي الموصول: الذين واللائي!

ما طالب به الشوباشي، هو"كل"خطته لتطوير اللغة العربية، وهي خطة غير علمية وغير منهجية لأنه في الوقت الذي طالب فيه بإلغاء بعض المفردات النحوية، لم يقل لنا شيئًا عن مصير بقية المفردات، وكيف سيكون مصير الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر، والمثنى والجمع، والحال والصفة، والبدل وعطف البيان؟ إنه لم يتكلم عن ذلك أبدًا لأنه يعلم أن بداية تحقيق مطلبه، تعني عمليًا استخدام العامية، وانتهاء الفصحى، بل انتهاء العربية تمامًا.

وقد كان هنالك سؤال وجيه لم يجب عنه"الشوباشي"في كتابه ولا في المداخلات الإعلامية أو الصحفية، هذا السؤال يقول: كيف نقرأ القرآن الكريم بعد تنفيذ مطالبه؟ ثم ما مصير المثنى وجمع المؤنث والمفعول والتمييز واسم الموصول؟ ثم من الذي سيقرأ القرآن الكريم والتراث بعد سيادة العامية في الكتابة والقراءة والحديث اليومي؟

إن تشخيص مشكلة التخلف في بلادنا العربية من خلال اتهام اللغة العربية بأنها السبب الأساسي الذي يمنع العرب من الإبداع، ويحول بينهم وبين التقدم، هو تشخيص خاطئ وغير سليم، كما أن تطوير الفصحى إلى العامية هو تطوير غير سليم أيضًا، ولا يمثل وعيًا حقيقيًا بحقيقة مشكلات اللغة العربية، فضلًا عن مشكلات الوطن والأمة، حتى إن ادّعينا احترام اللغة والحرص عليها والخوف من زوالها ومحوها.

إن التخلف في بلادنا العربية له أسبابه المعروفة التي يعرفها كل من له أدنى علاقة بالفكر والثقافة، وتتمثل في غياب الحرية والعدل والمساواة والكرامة وتقدير العلم والعلماء. إن العبيد والمظلومين والمقهورين والمهمَّشين والذين لا يجدون فرصة للمشاركة في تقرير مصيرهم ومصير أوطانهم، ويرون أن الراقصة والمطربة ولاعب الكرة أكثر أهمية وأكبر مكانة من العلم والعلماء والبحث العلمي، هؤلاء لا يستطيعون أن يتقدموا أو يبدعوا أو يخترقوا حجب التخلف والضياع والهزيمة.

لم يقترب الشوباشي من التشخيص الحقيقي لتخلف بلادنا العربية، كما لم يقترب أبدًا من المشكلات الحقيقية التي تعانيها اللغة العربية في الواقع المعاصر.

إن الإحساس بالدّونية، هو الذي يجعل الناس يحتقرون لغتهم ويبحثون عن غيرها من لغات أهل التقدم والعلو في الأرض، ويجعل المسؤولين والمثقفين ورجال الصحافة والإعلام يحاولون دائمًا التحدث بلغات أجنبية أو استخدام بعض الكلمات من هذه اللغات لتزيين كلامهم ظنًا منهم أن ذلك يضعهم في خانة المتقدمين المتحضرين، ويبلغ الإحساس بالدونية مداه حين يصل الأمر إلى أعماق الأرياف والقرى، فنرى مثلًا الفتى"عوضين"صاحب كشك الحلويات والسجائر يتخذ عنوانًا لكشكه مكونًا من كلمتين إحداهما أجنبية والأخرى عربية تحمل اسمه"بوتيك عوضين"أو سوبر ماركت عوضين، بعد أن رأى القنوات التلفازية والصحف اليومية تغص بالكلمات الأجنبية، بل إنه رأى أسماء أجنبية لقنوات عربية صميمة، وحروفًا لاتينية لبرامج أو مذيعين يشاهدهم على الشاشة الصغيرة، فضلًا عن السخرية والتهكم على مدرسي اللغة العربية، أو تقديمها من خلال التنطع والتشدق.

الدونية تنبع من الهوان والهزائم القومية، وقد تلبَّست كثيرًا من المواطنين، وخاصة من الشباب الذين لم يتعلموا معنى المقاومة ضد العدو، ومعنى التمسك بالهوية وعدم الخجل منها.

وإذا كان الشباب يستشعر الدونية على وجه الخصوص فإن ذلك يرجع إلى تحقير لغته العربية من خلال نظام التعليم السائد، فهذا النظام ليس موحدًا، ويقوم على الطبقية، فهنا مدارس لغات، ومدارس أجنبية، ومدارس خاصة، كلها تعلي من شأن اللغات الأجنبية، وتحقِّر ضمنًا اللغة القومية، وفي الوقت نفسه نجد المدارس العامة التابعة للدولة تجعل اللغة العربية مجرد مادة ضعيفة لا تحظى بالاهتمام أو الدرجات التي تحظى بها مادة أجنبية يتم تدريسها في التعليم العام (الفرنسية في شهادة الثانوية العامة تدرَّس لمدة سنتين في المراحل الثلاث: الابتدائي والإعدادي والثانوي، ولها أربعون درجة. أما اللغة القومية فتدرس لمدة اثني عشر عامًا، ولها ستون درجة!!، والإنجليزية لها ستون درجة وتدرس لمدة تسع سنوات!!، ويلاحظ أن العربية لم تحظ بالستين درجة إلا بعد حملة صحفية عنيفة شنها المدافعون عن اللغة العربية ضد وزارة التعليم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت