عبدالله بن محمد المالكي 10/6/1425
إنّ ظاهرة النقد والمراجعة من الظواهر السليمة والصحيّة في المجتمعات المتقدّمة، وعلامة بارزة على فلاح الأمم واستمرار نجاحها، وعامل أساسي للتطوّر والتقدّم.
وهو - قبل ذلك - أمرٌ قد ندبت إليه الشريعة ودعت إليه الأخلاق الإسلاميّة، ففي القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد...ٍ) [الحشر: 18] .
وهذه إشارة إلى المراجعة ونقد الذات قبل المثول أمام الله يوم القيامة .
وهاهي نظريّة عمر الفاروق - رضي الله عنه - تصدح في كل زمان عبر التاريخ"رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي"، وهو هنا يتكلم على مستوى الدولة، أما على مستوى الأفراد فيقول:"حاسبوا أنفسكم قبل أنْ تُحاسبوا ،وزِنوا أعمالكم قبل أنْ توزنوا ؛ فإنّ اليوم عمل ولا حساب ، وغداً حساب ولا عمل".
فالنقد والمراجعة ظاهرةٌ إسلاميّة قبل أنْ تكون ظاهرةً مستوردة، وخلقٌ إسلاميّ عاشه صالحو هذه الأمّة من القادة والعلماء والمفكرين قبل أنْ يكون ممارسةً لدى دول الغرب (المتحضر!) ، فلا خلاف ولا إشكال إذاً في مشروعيّة وأهميّة النقد والمراجعة وتصحيح المسار، هذا من حيث المبدأ .
ولكن في الآونة الأخيرة ظهر ما يسمّى في أدبيات الفكر العصراني بـ (نقد الخطاب الديني) ، أو ما يسمّيه البعض بـ (تجديد الخطاب الديني) [وهما في النتيجة سواء؛ فالمجدّد ينظر في الخطاب الديني نظرة الناقد، والناقد ينقد الخطاب الديني بغية التجديد.
وقد وقع الجدال العريض، وتباينت المواقف حول هذه الظاهرة من مؤيّدٍ ورافض ،فالمؤيّد يرى أنّ هذا أمر مشروع وهو من طبيعة المنهج الإسلاميّ، والرافض يرى أنّ ذلك هدم لأصول الإسلام، وبوابة للزندقة والإلحاد، ولذا كَثُرَ الالتباسُ، واختلطت الأوراق لدى المتابعين للشأن الإسلاميّ حول هذه الظاهرة.
والسبب في ذلك - من وجهة نظري - هو عدم وضوح المصطلح وتحديد مضامينه؛ فإنّ تحديد المصطلحات وإبراز مضامينها من أهمّ عوامل إنجاح الحوار، ويساعد في تحديد المواقف بدقّة في أيّ قضيّة فكريّة ، وإلا لأصبح كلُّ طرفٍ يجادل عن مصطلح يختلف مضمونه عن المضمون الذي يجادل عنه الطّرف الآخر.
فأقول: مصطلح (الخطاب الديني) : إما أن يُراد به حقيقة الدّين ، المتمثل في الوحي المقدس الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو ما نطق به القرآن أو استفاضت به السنة الصّحيحة، أو انعقد عليه إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ؛ وهذا النوع ليس له إلا تفسير واحد ، وتفسيره قراءته كما أُنزل بلا تأويل ؛ ولذا لم يختلف في فهمه الصّحابة والتابعون وأئمّة الدين عبر التاريخ إلى زمننا هذا .
وبناءً على هذا المفهوم ؛ تبرزُ ثلاث حقائق هامّة:
الأولى: إنّ (الخطاب الديني) - بهذا المفهوم - هو حقيقة الدين وصورته الكبرى وهو حينئذ لا ينسب إلا إلى الله تعالى ، ولذا فهو خارج دائرة العقل البشريّ ، فلا يخضع للنّقد والمراجعة كما تخضع له أنواع الخطابات الفكريّة الأخرى ؛ لسبب بسيطٍ جداً؛ وهو أنّ مصدره من عند الله الملك الحكيم، والخبير بصلاح الإنسان ونفعه، والعليم بدقائق الأمور وعواقبها، وأما الخطابات الفكريّة الأخرى فإنّها بشريّة المصدر، والبشر ليسوا مقدّسين عن الخطأ، وهم متفاوتون في عقولهم، و أفهامهم.
الثانية: إنّ (الخطاب الدينيّ) بهذا المضمون ليس بحاجة إلى نقد وتصحيح أو إصلاح وتجديد من جهة البشر حتى يكتمل، ويكون صالحًا لكل زمان ومكان ! وإنّما هو رسالة بيّنة وكاملة ومحدّدة من الله إلى خلقه يكون الموقف منها إمّا التسليم والانقياد، وهو موقف المسلم المؤمن بربه، أو الرّفض والإعراض ، وهو موقف الكافر المعاند لربّه.
الثالثة: إنّ نسبة التخلّف إلى الخطاب الدينيّ - على وفق هذا المضمون - هو - في الحقيقة - قدحٌ في الوحي وتكذيب لله ولرسوله ، وردٌّ لوصف الله له بأنّه: ? هدًى ورحمة ? ? هدًى وذكرى ? ? هدًى وبشرى? .
بل إنّ التردّد والتوقّف في قبول هذا (الخطاب) نقض لحقيقة الإيمان ، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ...) [الأحزاب: من الآية36] ونحن عندما نقرّر هذه القضيّة لا بدَّ في المقابل أنْ نفرّق بين الخطاب الدينيّ القائم على دلائل الكتاب والسنة،وإجماع السلف الصالح ، والخطاب البشريّ الذي يمارسه العلماء والدعاة وكل من يتكلم باسم (الدّين) .
فالخطاب الأوّل كما - قلنا - وحيٌ مقدّس خارج دائرة النقد ، وأما الخطاب الثاني فهو اجتهاديّ نظريّ غير معصوم ،داخل في دائرة النقد والمراجعة ، وقبوله وردّه مرهون بموافقة (الكتاب والسّنة) .