فهرس الكتاب

الصفحة 24209 من 27364

* حسن مصطفى

ليس ثمة خلاف بأن الإسلام دين الحوار. وأن أي مسلم هو مع الحوار. فمن طبيعته الفطرية أن يكون ميالاً للحوار مع الآخر. وإذا كان مفهوم الحوار قد اتخذ لدى غير المسلمين دافعاً مكتسباً فإن القرآن الكريم الذي امتزج بالعقل العربي والشخصية العربية جعل من الميل إلى الحوار دافعاً طبيعياً تأصّل وتجذر مع مرور الوقت.

واليوم حين يُطرح حوار الحضارات على مساحة واسعة بين الشمال الغربي والجنوب العربي والإسلامي فإن تقييمات جدية ظهرت وتظهر كل ساعة لإمكانية الحوار أو عدمه. آخذة بعين الاعتبار أن ما يُطرح من تنظيرات هو بعيد جداً عما يجري على الأرض العربية من احتلال وإبادة وامتهان للإنسان العربي والمسلم.

هل يكون حوار والشعب الفلسطيني واقع تحت نير الاحتلال والإبادة؟ أم هل يكون حوار والقوات الأميركية تعيد سيرة الاحتلال الاستعماري واغتصاب الأرض العربية؟ وهل يكون حوار وشعار القوى الاستعمارية الكبرى ـ الإسلام هو العدو الحالي للغرب وفي المستقبل؟

من يحاور من؟ وهل من جدوى لحوار مفترض بين العالم العربي والإسلامي وقوى غربية ضعيفة ليس لها من تأثير في صنع القرار أو تحويل مجرى التوجهات العنصرية التعصبية؟ في أميركا وبريطانيا وأستراليا والكيان الصهيوني وغيرها من الاتباع؟

المأساة في الشعوب قبل الأنظمة قبل العدوان على العراق كانت الأصوات الغربية الرافضة للحرب تجتاح أوروبا وأميركا. وبعد عشرين يوماً من الحرب قالت استطلاعات الرأي إن المؤيدين للحرب أصبحوا أكثر قوة وعدداً حتى أن مجلس العموم البريطاني أصبح بغالبيته مع سياسة طوني بلير تجاه العراق.

هذا الانقلاب الذي يجري في الأفكار لا يدل إلا على مدى المزاجية والتقلب في الاتجاهات ولا يدل على وجود مبادئ وثوابت راسخة.

فإذا كان الأمر كذلك فكيف يكون الحوار؟ إذا كانت المزاجية تحكم الشارع الجماهيري الغربي فكيف يمكن أن تكون كيانية الحوار وهيكليته؟ ويبدو أن الذي يفتقد للمبدأ الثابت لا يمكن أن يعطيك رأياً صادقاً تثق به وموقفاً حقيقياً جدياً تجاه ما يسمى حوار الحضارات. ويبدو مرة أخرى أن النتائج المترتبة على العدوان على العراق جعلت كثيرين من الغربيين يقولون إن حضارات الغرب انتصرت ومع على الشرق العربي المسلم إلا التسليم والقبول بقيم الغرب بدلاً من قيم الشرق المهزومة.

خلل في الدائرة الأضعف مما لا شك فيه أن الموقف الأقوى الآن في أي حوار مفترض هو الموقف الغربي، وأن الموقف الأضعف الآن في أي حوار مفترض هو الموقف العربي والمسلم.

ويظهر أن الغرب بعد الذي جرى في العراق وفلسطين والمنطقة العربية برمتها لم يعد يهتم بالحوار. وقد رأينا وسنرى أن الأصوات الداعية للحوار بين الشرق والغرب قد خفت أو اختفت، لأن الانتصار الظاهري لقوى الغرب المتمثلة بأميركا وبريطانيا ارتفع صوته فوق كل الأصوات.

من هنا فمن المفترض أن نضع مفهوم الحوار على المحك الحقيقي لنعرف لماذا ندعو نحو للحوار باستمرار بينما يصم الآخرون آذانهم.

الواقع أن الأصوات الغربية الداعية للحوار نظرت إلى ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر على أنه علامة فارقة في تاريخ البشرية. ولذلك تساءلوا عن الأسباب وعمن وراء الأحداث. بل راح بعضهم ينظر إلى تاريخ العلاقة بين الشرق والغرب نظرة متأنية. وتوصل بعضهم إلى قناعة تقول إن ظلماً يقع على الشرق الإسلامي وأن الحس الاستعماري ولّد الصدام بين طرفين متناقضين في الشرق والغرب. أما الطرف الإسلامي والعربي تحديداً انطلق في الأساس نحو مفهوم الحوار من خلال طبيعته الإنسانية المنفتحة. لكنه عندما رأى أن دعوته للحوار فُهمت من قبل بعض الغربيين على أنها استسلام لمنهج الغرب وهجمة الغرب.

لكن جوهر المسألة يكمن في عدم التوازن بين طرفي الحوار...

أعتقد هنا أن الحوار حتى يكون مجدياً ومؤثراً وناجحاً ـ لابد له من وجود طرفين متعادلين في القوة متعادلين في التأثير على المستوى الفكري والثقافي والمستوى الفكري. وحتى على المستوى الإقليمي والسياسي.

فهل تحقق هذا التعادل والتكافؤ بيننا كطرف وبين الغرب كطرف مقابل؟ الغرب اليوم ينظر لنا نظرة دونية خاصة بعد التمدد الأميركي البريطاني في أفغانستان والعراق وفلسطين. فحتى عندما نرفع صوتنا من أجل الحوار يرى بعض الغربيين أن هذا الصوت هو صوت المنكسر المهزوم في فكره وعقيدته وحياته الاجتماعية ولو دققنا فعلاً في داخلنا لوجدنا أن خللاً واضحاً يتخلل ثنايانا. فنحن كعرب ومسلمين لنا عقيدة راسخة تدعو إلى القوة بينما نحن ضعفاء. ولدينا حضارة عربية إسلامية عريقة بينما نحن اليوم نتراجع عن اللحاق بركب التكنولوجيا الغربية ونعزز الإقليمية في أقطارنا. ولدينا من المكونات الجغرافية والبترولية ما يجعلنا القوة الأعظم في العالم بينما نحن نفرط بهذا الموقع الجغرافي الاستراتيجي ونتركه مستباحاً خاصة في ممراته المائية وإنتاجه النفطي الهائل.

وبمعنى آخر فإن الحوار المفترض ليس له ميزان صحيح في أساسه لأن خللاً ما متغلغل في أحد طرفيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت