ترجمة: بتول عبد الحق
كتب: تيري ميسان * 7/7/1427
سئلت كوندوليزا رايس عن الخطوات التي سوف تنتهجها في سبيل إعادة الاستقرار إلى لبنان، فكان جوابها:"إنني لا أرى أي مصلحة من أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه سابقاً بين إسرائيل و لبنان. أعتقد أنه سيكون من الخطأ أن نعمل لأجل هدف كهذا. إن ما نفكر فيه هنا، بطريقة أو بأخرى، هي البداية، إنها آلام المخاض التي تسبق ولادة الشرق الأوسط الجديد، و مهما يكن من أمر، فإنه يتعين علينا أن ندفع باتجاه تشكُّل هذا، و ألاّ نتراجع إلى الوراء".بالتالي فإن ما يقع في لبنان في الوقت الحالي من وجهة نظر واشنطن، لا علاقة له بقضية تحرير الجنديين الأسيرين في يد حزب الله، بمعنى أن ما يقع هو التطبيق الجدي لما تقرره نظرية"الفوضى البناءة"التي جرى التبشير بها طويلاً. إذاً فإن أتباع الفيلسوف (ليو شتراوس) الذين يُعرفون إعلامياً تحت مسمى"المحافظين الجدد"، يؤمنون أن التغيير لا يتحقق من خلال الجمود، و إنما يتعين لأجل إحداث ذلك، تحطيم كل شكل من أشكال المقاومة. بعبارة أخرى، يتعين إدخال المجتمع كله في الفوضى حتى تتمكن 'النخب' في أن تنعم باستقرار مواقعها. ثم إنه و على حسب أتباع (شتراوس) دائماً فإنه لا يمكن للمصالح الإمبريالية الأمريكية أن تلتقي مع مصالح الدولة اليهودية إلا وسط هذه الفوضى.
الواقع أن الحرص الإسرائيلي على تقسيم لبنان، و إقامة دويلة مسيحية صغيرة فيه، ثم إلحاق جزء من ترابه بها أمر قديم، و ليس حديثاً مثلما قد يقول بعضهم؛ إذ أُعلن عن هذا في العام 1957، من قبل ديفيد بن غوريون بوساطة رسالة شهيرة له نُشرت ملحقة فيما بعد في مذكراته التي طُبعت بعد وفاته، (2) و هذه 'الطموحات' تم إدراجها في مشروع استعماري كبير للشرق الأوسط أُعد خلال العام 1996 تحت عنوان: القطيعة الحقيقية: الإستراتيجية الجديدة لأمن المملكة (3) -مملكة إسرائيل طبعاً-. هذه الوثيقة الأخيرة، أعدها أحد مراكز (الثينك تانكس) التابعة للمحافظين الجدد (IASPS) من طرف مجموعة من الخبراء الذين جمعهم (ريتشارد بيرل) ( الكاتب الصهيوني المعروف ) و تم تسليمها لبنيامين نتنياهو، و فيها ما يمكننا عده، شرحاً وافياً للفكر الصهيوني التحديثي الذي أسسه فلاديمير جابوتينسكي، (3) و تتمحور أساساً حول النقاط التالية:
-إلغاء بنود اتفاقات أوسلو.
-التخلص من ياسر عرفات
-ضم الأراضي الفلسطينية.
-إسقاط الرئيس صدام حسين في العراق واحتلالها تمهيداً لزعزعة كل من سورية و لبنان.
-تقسيم العراق و إقامة دولة فلسطينية فوق ترابه.
-استعمال التراب 'الإسرائيلي' كقاعدة ملحقة بالبرنامج الأمريكي المعروف تحت مسمى: حرب النجوم.
لقد كانت هذه الوثيقة في الواقع، هي روح الخطاب الذي ألقاه نتنياهو بعد ذلك مباشرة أمام الكونغرس الأمريكي، (4) و يمكننا أن نلحظ في هذا الخطاب كل مقومات و 'توابل' هذه الوضعية الحالية التي نعيشها: تهديدات لسورية، إيران و حزب الله فضلاً عن الشروع الفعلي في ضم الجزء الشرقي من مدينة القدس.
من هنا، يمكننا أن نلحظ أن 'وجهة النظر' هذه تلتقي بشكل مباشر مع الرغبة الأمريكية في السيطرة على هذه المنطقة الغنية بالنفط التي يسميها كل من (زبيجنيف بريجنسكي) و (برنارد لويس) :"قوس الأزمات"و هي كل المنطقة التي تمتد من خليج غينيا إلى بحر قزوين مروراً بالخليج العربي و التي تعني أيضاً، العمل على إعادة تشكيل الحدود، و تغيير الدول و الأنظمة السياسية السائدة فيها أو بحسب تعبير جورج بوش:"إعادة صياغة الشرق الأوسط الكبير".
هذا هو الشرق الأوسط"الجديد"الذي تعتقد الآنسة كوندوليزا رايس أنها سوف تكون 'القابلة' التي تشهد ولادته.
الفكرة في عمومها بسيطة: الاستعاضة عن الدول التي تشكّلت بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية بدويلات أصغر منها تكون ذات تركيبة أُحادية الإثنيات ثم تحييد هذه 'الدويلات' بعد ذلك من خلال شغلها ببعضها البعض. بعبارة أخرى، إن الأمر يعني مراجعة بنود الاتفاقية التي تمت المصادقة عليها بشكل سري خلال العام 1916، و التي عُرفت تاريخياً باسم 'اتفاقية سايكس-بيكو' بين الإمبراطوريتين الفرنسية و البريطانية (5) ، وصولاً إلى تحقيق الهيمنة المطلقة من قبل الدول الأنجلوسكسونية على المنطقة. هذا يعني أن عملية إيجاد دويلات جديدة تقتضي تدمير هذه المتواجدة حالياً، و هذا ما تسعى لأجل تحقيقه إدارة الرئيس بوش منذ خمس سنوات قبل الآن، و يمكننا لأجل البرهنة على ذلك أن نستشهد بما يلي:
-لقد اقتُطع ما نسبته 7% من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ثم إن كلاً من قطاع غزة و الضفة الغربية قد جرى فصلهما بشكل فعلي بواسطة الجدار، أما السلطة الفلسطينية فلقد تم تدميرها قبل أن يُعمد أخيراً إلى توقيف النواب و الوزراء الذين ينتمون إلى حكومة منتخبة.