غلاف العدد 1737
عندما أعدم صدام حسين، كانت (كاميرا الموبايل) هي التي كشفت وفضحت بالصور والفيديو ما جرى خلال لحظات الإعدام الأخيرة فأحدثت دوياً كبيراً على كل المستويات.. وحينما وقعت أحداث تحرش أو ما سمي"سعاراً جنسياً"في وسط القاهرة ليلة عيد الفطر الماضي، كانت الفضائية الإعلامية (الشعبية) الأولى التي نقلت الحدث بالصوت والصورة، ونقلت عنها لاحقاً الصحف والفضائيات الرسمية، هي كاميرا موبايل لشاب مصري يمتلك مدونة صغيرة نشر عليها التفاصيل والصور التي التقطها بالموبايل!
أيضا قضايا التعذيب الكبرى التي تحقق في بعضها النيابة المصرية ضد ضباط متهمين بتعذيب مواطنين، وانتهاك آدميتهم، كل تفاصيلها لم تُعرف أو تُنشر ولم تتحرك وزارة الداخلية أو النيابة للتحقيق فيها سوى عبر كاميرات الموبايل والمدونات (البلوجرز) الشبابية ومنها انتقلت لصفحات الصحف.
أيضاً مظاهرات القضاة في مصر، واعتصامات طلاب الجامعات، والتعذيب في أقسام الشرطة، والانتهاكات العديدة التي وقعت ضد صحفيات وناشطات في مناسبات مختلفة للمطالبة بالحريات أو مناصرة قضاة مصر.. كلها تم تصويرها ونشرها والكشف عنها عبر كاميرات الموبايل والفيديو الشعبية ومنها نقلت للمدونات عبر مواقع الفيديو المجانية التي تمثل ثورة بدورها، خصوصاً موقع"يوتيوب"www.youtube.com على الإنترنت والذي بلغت أهميته حد اختيار مجلة (تايم) الأمريكية له كأهم"اختراع"لعام 2006م لدوره في إعطاء الفرصة لزواره مجاناً لإنتاج وعرض مواد فيلمية على الموقع الإلكتروني!
والحقيقية أن هذا الثلاثي الخطير (كاميرا الموبايل المدونات موقع يوتيوب) قد لعب أدواراً غير مسبوقة في الأشهر القليلة الماضية في إحداث ثورة إعلامية اخترقت ثوب العولمة ذاتها، بحيث لم تعد هناك أي قيود أو حدود من أي نوع على الكلمة أو الصورة أو الفيديو، وأصبح كل شيء مباحاً للنشر وبحرية بعيداً عن أي قيود اجتماعية أو حكومية أو سياسة أو أخلاقية، بحيث بات كل مواطن يحمل كاميرا موبايل يشكل بذاته وكالة أنباء خاصة بلا قيود، وأصبح هو الصحفي أو الإعلامي الذي يفضح أي تجاوزات حكومية، ويكشف أي خبايا أو أسرار تسعى وسائل الإعلام الحكومية أو الحكومات لإخفائها، ما سوف يشكل مستقبلاً انقلاباً في معايير الإعلام المتعارف عليها!
فقبل سنوات كان العديد من الانتهاكات أو السلبيات أو الأسرار يقع ويمر دون أن يجرؤ أحد على رصده إعلامياً في وسائل الإعلام الرسمية أو الفضائيات الخاضعة لضغوط الحكومات المختلفة، وكانت الانتهاكات ضد حقوق الإنسان أو التعذيب داخل السجون، أو الاحتجاجات ضد الحكومات أو الأحداث الساخنة التي تناهض حكومات أو مراكز نفوذ أو مسؤولين فاسدين، يجري وأدها بصورة فعلية، عبر تجاهل الإعلام الرسمي لها.. أما الثورة الجديدة التي أحدثتها كاميرا الموبايل في الجانب الإيجابي لاستعمالها فتمثلت في تحول كل شخص يحمل كاميرا موبايل لمخبر صحفي وإعلامي خطير قادر على اقتناص سبق صحفي وإعلامي غير مسبوق لا يمكن التشكيك في مصداقيته لأنه ببساطة بالصورة والصوت!
وحتى الزمن الذي كان يتعرض فيه هذا"السبق الصحفي الشعبي"أو"الخرق العولمي"لمحظورات الصحافة والإعلام يتعرض للإهمال، ولا يجد طريقه للنشر والوصول للجمهور.. هذا الزمن انتهى بعدما ظهرت المدونات الشعبية الشبابية كمنافذ إخبارية وإعلامية ومنتديات للتواصل الإعلامي (تضاعف عددها في مصر من ألف إلى خمسة آلاف في غضون عام واحد) ، وأصبح بإمكان حامل كاميرا الموبايل بسهولة أن يضع الصور أو الفيديو الذي التقطه عبر الكاميرا على موقعه الخاص ويرسله لعشرات المواقع الخاصة مثله، ويخترق حجب الإعلام الرسمي وينفرد بفضح ما يراد إخفاؤه.
وجاء اكتمال منظومة هذا الثلاثي الإعلامي الشعبي الخطير في صورة مواقع إنترنت عالمية مجانية مثل موقع (يوتويب) تقدم خدمة إنتاج أو عرض أي أفلام فيديو مجاناً وبلا محظورات أو حدود أو قيود لنفاجأ بعرض صور لعمليات تعذيب داخل السجون أو صور إعدام صدام حسين بالكامل، وتفاصيل الحوارات والشتائم التي جرت بينه وبين جلاديه قبل إعدامه، وغيره الكثير والكثير، ليثير علامات استفهام حول كمّ الأسرار التي باتت من الماضي.
بل إن الغيرة التي انتابت العديد من الصحف العربية ووسائل الإعلام من هذه"الخبطات الصحفية الشعبية"دفعت بعض هذه الوسائل الرسمية في مصر لاستثمار هذا الإعلام الجديد الشعبي، بتخصيص زوايا تكنولوجية خاصة تطالب عبرها القراء بإرسال ما لديهم من صور أو فيديو ملتقطة عبر كاميرا الموبايل تصور مفارقات أو اعتداءات مخالفة لحقوق الإنسان أو مواقف نادرة وغيرها. وينتظر أن تثير هذه المساحات الجديدة للنشر قضايا أخرى لا تلقي الصحافة الرسمية أو الإعلام العام الضوء عليها.
الإعلام الجديد بلا قيود!