فهرس الكتاب

الصفحة 23892 من 27364

الغرب... ثقافة الصّراع وإبادة الآخر

نايف ذوابه 13/2/1427

حوار الآخر وحوار الأديان وحوار الحضارات وحقوق الإنسان، شعارات الغرب البرّاقة لم تعد تنطلي على أحد بعد أن خدعنا بها الغرب ردحاً من الزمن، وقد كان جمهرة المثقفين والناشطين السياسيين المتشدقين بها يتطلعون إلى الغرب كمثل أعلى وقدوة، فأصبحت عبئاً عليهم وقذاة في عيونهم.

لم تعد الخدعة والكذبة الكبرى تنطلي على أحد بعد أن امتُحنت هذه الشعارات على أرض بلادنا، فافتُضح كذب هذه الشعارات وانتهازيتها، وتبين أنها شعارات خاوية من معاني الشرف الذي يحاول أن يسبغه عليها موظفو وزارة الخارجية الأمريكية؛ فقد أصبحت دميمة ومملّة على الرغم من كل عمليات التجميل والماكياج الدائبة التي تجري لهذه المصطلحات من قبل موظفي دائرة العلاقات العامة الأمريكيين، الذين هبّوا لتحسين صورة وجه أمريكا في العالم الإسلامي، وقد أدركت (كارين هيوز) من خلال جولتها في الشرق الأوسط -وخاصة السعودية وتركيا- مدى صعوبة بل جسامة المهمة واستحالتها؛ فقد اتّسع الخرق على الراقع، ولا أظن أن البرامج التي خصصتها الجزيرة مؤخراً لاستضافة موظفي الخارجية الأمريكية بمجدية نفعاً لهم، حتى لو تكلموا باللغة العربية المطعمة أو المطهمة بالعامية المحلية؛ ليتألّفوا بها قلوب المسلمين، ومهما ألقَوْا من الابتسامات العريضة على شاشات الفضائيات، وخاطبوا جماهيرها الغفيرة مباشرة؛ فهؤلاء رأوا بأم أعينهم أفعال أمريكا المشينة في أبو غريب وأقفاص غوانتانامو وأفغانستان، وأمثالنا العربية أفصح وأبلغ من كل هرطقات الساسة الأمريكان؛ فقد قالت العرب: ليس راءٍ كمن سمع!! وصور سجن أبي غريب لن تمّحي من ذاكرة المسلمين، وستظل تهتف بهم تنشد منهم الثأر لحرماتهم التي انتُهكت، وضجّت من دناءتها جدران المكان!!

لم تعد تنطلي محاولات التزوير وسوق الأضاليل على الشعوب، بما فيها الشعوب الغربية نفسها؛ لأنها ترى وتسمع حكوماتها تتحدث بلسانين، وتكيل بمكيالين، وتقيس بألف مقياس ومقياس حسب الحالة، ووفق الظرف، والمدّعِي والمدّعَى عليه .... وخلاصة القول: الشعوب لا تنظر إلى دموع التماسيح التي تذرفها أمريكا على حقوق الإنسان في بلادنا بل تنظر إلى ما تفعله يداها!!

ثقافة الصراع وإبادة الآخر جزء لا يتجزأ من ثقافة الغرب؛ أليست الثقافة الغربية وريثة الحضارتين اليونانية والرومانية، ثقافة الصراع بين الآلهة، ثم الصراع بين الدين والدولة، والصراع بين الإنسان والطبيعة، والصراع بين الإنسان والآلة، ثم صراع الحضارات عند هنتنغتون؟!

فكرة الصراع في الغرب جزء من بنيتهم الثقافية قديماً وحديثاً. صراع ينتهي بإبادة الآخر؛ فهناك صراع بين الآلهة فوق جبال الأوليمب، وصراع في الإلياذة والأوديسة بين أثينا وإسبارطة، صراع الدولة الرومانية مع الفرس، صراع المسيحية مع الإسلام، وزحف هذا الصراع إلى أمريكا في عملية الهنود الحمر.

"والسلوك اليهودي في فلسطين ليس مرده إلى التلمود، ولكنه الاستعمار الاستيطاني الذي يشبه الاستعمار الأبيض للقارة الأمريكية وجنوب إفريقية، حيث أُبيد السكان الأصليون ... فتقديس الصهاينة للعنف إفراز طبيعي للحضارة الغربية العنصرية الاستعمارية التي كانوا يتحركون في إطارها، والصهيونية لم تتحول إلى حقيقة إلا عبر التشكيل الاستعماري الغربي، وهي تدور في إطاره، وتدرك العالم من خلال خريطته المعرفية، وليس من خلال التوراة أو التلمود أو البروتوكولات".

هذا"الصراع الأيدلوجي الذي أسس له دارون والصراع الاجتماعي عند سبنسر وصراع القوميات عند نيتشة".

شعارات الديموقراطية وحقوق الإنسان والحوار مع الآخر شعارات مضروبة لا يشتريها أحد، يُسمح بها طالما كانت الأمور تحت السيطرة لحساب التفوق الأبيض. أما إذا اهتز التفوق الأبيض أو تحرّكت ضدّه نذر الخطر من بعيد على مرمى قارات ومرمى قرون فإن الإبادة للآخر تتكشف لتكون هي الأساس. إبادة الآخر في الأندلس، إبادة الآخر المسلم في أوروبا الشرقية والبلقان، وآسيا الصغرى والقوقاز، وإبادة الآخر في الجزائر وفلسطين والعراق وفيتنام... إبادة الآخر في أمريكا نفسها التي بدأت كمشروع استيلاء ونهب لقارة بأكملها من أهلها الأصليين، ولم يكن هناك بديل للبندقية، وكان العنف هو الوسيلة لتحقيق الهدف في أقصر وقت ممكن وبأقل جهد!!

يقول نعوم تشو مسكي في (تواريخ الانشقاق) ، وهي حوارات أُجريت معه وطُبعت في كتاب ترجمه محمد نجار يقول:"الولايات المتحدة وُجدت وأُسست على دمار السكان الأصليين للبلاد. فقبل أن يكتشف كولومبس أمريكا، فقد قُدّر السكان الذين كانوا يعيشون شمال (ريوجراند) من (12-15) مليون نسمة، إلا أنهم تقلصوا مع بداية هذا القرن -يعني القرن العشرين- إلى مائتي ألف نسمه فقط".

وكتب جورج واشنطن في إحدى رسائله إلى المفوض للشؤون الهندية يقول:"إن طرد الهنود من أوطانهم بقوة السلاح لا يختلف عن طرد الوحوش المفترسة من غاباتها"!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت