فهرس الكتاب

الصفحة 27121 من 27364

طلعت رميح 29/2/1425

الأقدار وحدها هي التي جعلت خطاب أسامة بن لادن ..يصل إلى الناس بعد يومين من خطاب بوش ومؤتمره الصحفي الخاص بالانتخابات، ثم مؤتمره الصحفي مع الإرهابي آرائيل شارون، وهو أمر يوفر فرصة للمقارنة بين الوضع الإستراتيجي للاثنين كما تعكسها خطاباتهما.. ذلك أن الخطاب والمؤتمر الصحفي والبيان لم يصدر في وقت هام وحرج من مراحل تطور الصراع فقط ، ولكن أيضًا لأن كلاً منهما حدد جديدًا يرقى للمستوى الإستراتيجي في التأثير على حالة الصراع ومستقبله، وكذلك كشف الخطاب والبيان الأوضاع الإستراتيجية الحالية التي بات عليها طرفا الصراع . ففي حين طرح بن لادن خطوته السياسية الإستراتيجية الأعلى لشق التحالف الغربي أو لتصعيد حالة العزلة التي أصيبت بها الولايات المتحدة من خلال توجيه عرضه"الصلح مع الأوروبيين"وإعلانه استمرار القتال ضد الأمريكيين، وكذلك في حين أنه عرض صلحًا مشروطًا بخروج الجنود الأوروبيين من أرض المسلمين، وحدد مدة زمنية لذلك، بما يعني أن ابن لادن في حالة هجوم سياسي إستراتيجي يأتي عقب أعمال عسكرية؛ فإن بوش بالمقابل كان في حالة تراجع، بل وتدهور... إذ عاد يلهث خلف الاتحاد الأوروبي الذي سبق أن هاجمه بعنف وقسمه بين أوربا القديمة والجديدة، وعاد متطلعًا إلى دور لمجلس الأمن يخرجه من ورطته المتفاقمة في العراق، والتي ظهر من معالجته لها في الخطاب أنه تحول إلى الدفاع بدلاً من الهجوم، إذ كرر"أنه لن يتراجع ولن يستسلم"، وقال:"يجب أن نبقى صامدين"، و"يريدوننا أن نرحل.. ونحن لن نرحل"، هذا بالإضافة إلى تعبيره"أنه يشعر بخيبة الأمل"... الخ.

اهتزاز بوش وثقة ابن لادن

بدت الكارثة التي أصيبت بها الولايات المتحدة في العراق واضحة على وجه الرئيس الأمريكي ومشيته ولسانه في مؤتمره الصحفي الأخير؛ فقد غابت ابتسامته وهو في مشيته دخولاً وخروجًا من البيت الأبيض إلى الصحفيين والعكس.. لم يعد هو ذلك المنتصر المتباهي الذي شاهدناه يوم أول مايو 2003 على ظهر حاملة الطائرات، يعلن انتصار أمريكا في الحرب، وانتهاء العمليات العسكرية الرئيسة، وهو لم يعد ذلك المرسومة خطواته في وثوق وارتفاع وجهه ورقبته إلى أعلى في خيلاء القوة أثناء لقاءاته بأعضاء الكونجرس، وهو لم يكن في المؤتمر الصحفي نقطة تسقط عندها سهام الهجوم من قبل الصحفيين فقط؛ بل ومطالبًا في أكثر من سؤال بالاعتراف بخطأ الحرب على العراق، بل تلعثم لسانه، وارتبك حينما جاءه سؤال واحد لم يكن عرض عليه قبل المؤتمر.. هو الذي قال ذلك علنًا للصحفي: ليتك أطلعتني على هذا السؤال قبل المؤتمر.. وأنهى المؤتمر هربًا.

أما في مؤتمره الصحفي مع الإرهابي شارون؛ فهو تحدث لما أحدث ارتباكًا في الدوائر الرسمية خاصة الخارجية الأمريكية، الأمر الذي دفع باول ليومين متواليين يحاول التخفيف من هذه التصريحات الخاصة بحق العودة للشعب الفلسطيني..إضافة إلى أنه دفع أوربا إلى اشتباك أوسع مع الولايات المتحدة.

وفى المقابل، ورغم أن أسامة بن لادن لم تظهر صورته، ولم يكن في مواجهة مع جمهور صحفيين يسأله؛ إلا أن الذي تابع الجانب الذي أذيع من البيان يلحظ على الفور وثوق الرجل وصموده، وعدم حدوث أي تغير في نبرات صوته الواثق.. برنة الصبر التي فيه، وأنه كان ينتقل في فقرات الخطاب من الموقف المحدد بعرض الصلح على الأوروبيين إلى التهديد..إلى تحديد وقت محدد لكل خطوة...وكذا هو شدد على استمرار قتال الأمريكيين انتقامًا لمقتل الشيخ أحمد ياسين ..الخ

بوش يتراجع.. وابن لادن يتقدم!

من زاوية التحليل؛ فإن خطاب بوش كان مروعًا لمن تصوروا أن الولايات المتحدة باتت دولة لا تقهر ولا تتراجع؛ فقد جاء مهتزًا ومتراجعًا، فهو عاد إلى كل مفردات لغة الأدب في التعامل مع أوربا ومجلس الأمن الدولي وبات يتحدث عن أن أمريكا ليست قوة إمبريالية، ثم هو لم يهدد ولم يتوعد كما كان عليه الحال من قبل، بل صار يعترف بصعوبة الأوضاع في العراق، ويكرر الصيحة التي أطلقها قائد القيادة المركزية بشعوره بالإحباط، وعندما سئل عن إرسال قوات جديدة لم يقل كعادته أمرت جنود جيشنا بالذهاب، بل قال إن هذا يخضع لطلب القادة الميدانيين- الذين كانوا طلبوا من قبل علنًا أمام شاشات التلفزة- وذلك تعبير عن عدم ثقته في قبول الرأي العام الأمريكي لمزيد من التورط في العراق، وهو عاد مجددًا للتأكيد على تسليم السلطة للعراقيين بغض النظر عن زيف هذا الادعاء.

وفى خطابه إلى الداخل الأمريكى جاءت كلماته في معظمها محاولة لاستدرار العطف من المواطن الأمريكي الذي توجه إليه بالعزاء عدة مرات وفي أكثر من موضع من خطابه..وهو ما أظهر تراجعه أمام تصاعد حركة الأسر الرافضة لاستمرار أبنائها في العراق..وتوسع أعداد من فقدوا ذويهم في العراق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت