أفراح بنت علي الحميضي
إنَّ خطورة التحدِّيات التي جاءت في رِكاب العولمة والقائمة على تذويب الفوارق الدينية وكسر الحواجز الاجتماعية ومحاولة إزالة الحدود الجغرافية لتسهيل مرور المعلومات وإشاعة أنماط السلوكيات الغربية ممَّا يؤدي إلى تمييع الثوابت العقدية والأخلاقية، ومن ثمَّ تحويلها إلى حرية مُطلقة في المعتقد، وبالتالي الوصول إلى الهدف الذي تسعى له العولمة، وهو زيادة معدَّلات التشابه بين سائر الجماعات والمجتمعات، وذلك من خلال توحيد الرغبات والتطلعات وطرق النظر إلى الذات والآخر، ومن خلال توحيد الأذواق والعادات الاستهلاكية.
إنَّ خطورة ذلك أنَّ الذي يقود تلك العملية هو الطرف الأقوى في معادلة العولمة، ولذلك فإنَّ مبادئه هي التي ستسود، وبما أنَّ العولمة لا تسير في طريق واحد بل تمضي وبشراسة منطلقة في كل اتجاه متخطية كل الحواجز، فإنَّ أثرها يعمّ جميع النواحي الدينية، الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية، وينتج عن ذلك عولمة سياسية واقتصادية واجتماعية وتوجيه للأفكار والثقافات. وخطورة أخرى هي أنَّ الأمم المتخلِّفة أو المتوسطة التنمية هي التي تُذاب أو تذوب حين تخترقها العولمة. وحين تمضي قوافل العولمة الاقتصادية تنهب الطريق لمزيد من الضغط الاقتصادي على الدول الفقيرة، فإنَّ المعادلة الاقتصادية تنقلب. فبينما كان الاقتصاد فيما مضى في خدمة العقيدة والسياسة والإستراتيجية، نجد في ظل العولمة قد أضحى ذلك كلَّه في خدمة الاقتصاد 4. إنَّ من الخطورة محاولة العولمة تبنِّي الحرية المُطلقة بلا أية ضوابط، ممَّا قد يؤثِّر حتماً على قيم المجتمعات ويؤدي إلى استبدالها بمفاهيم غربية مؤدلجة طارئة، وبالتالي ستؤثِّر تلك الحرية على استقلالية الأمم الفكرية، إذ تحاول العولمة في إطار ذلك تهجين الأفكار وتحويل المجتمعات عمَّا ألفته من أخلاق وما تعارفت عليه من تقاليد وأعراف، ووسيلة العولمة في ذلك محاولة اقتحام المجتمعات الإسلامية بأساليب لها طابع الحداثة والتقدُّم، وفي ذات الوقت تعمل على نسف كل قديم صالح ليحلَّ محلَّه جديد لا يلتقي مع الدين5 كما أنَّ وسيلة العولمة في ذلك السرعة في حركة الانتشار والتهميش المستمر للاعتبارات والمعطيات المحلية، وحيث إنَّ التشكيل الثقافي والحضاري الغربي هو المحيط الذي وُلدت ونشأت فيه العولمة الحديثة، فإنَّ العولمة لأجل ذلك ليست مُطلقة ولا بريئة ولا محايدة، ذلك أنَّها وقد وُلدت من رحم الغرب الذي ينكر مرجعية الوحي ويدفع إلى اعتماد المرجعيات البشرية المتناقضة.
وإنَّ اختراق العولمة للمجتمعات أمراً خطيراً، إذ بذلك الاختراق تفقد المجتمعات هويتها المميَّزة لها مما يسهِّل ذوبانها في بحر العولمة، ذلك أنَّ المطلوب من المجتمعات المسلمة أن تتنازل عن هويِّتها وخصوصيتها الثقافية حتى تقترب من المفاهيم الكونية التي تنشرها العولمة، وإلاَّ فالنبذ والتهميش سيكون مصيرها، أمَّا المفاهيم التي تخترقها العولمة في النطاق الاجتماعي، فيشمل أنماط السلوك، الأسرة، المرأة، الرعاية الاجتماعية، قضايا حقوق الإنسان...الخ وأسلوبها مع سائر المجتمعات عامَّة ومع المجتمع المسلم خاصة، يعتمد على تهميش المفاهيم العقدية والشرائع السماوية وفي نفس الوقت تبذر مفاهيم جوفاء.
إنَّ خطورة العولمة كما أوجزت تستدعي تضافر الجهود من أجل مواجهتها، ذلك أنَّنا إذا كنا حقيقة لا نستطيع رفضها، فعلى الأقل نستطيع أن نحسِّن وضعنا وموقفنا في هذه المعمورة من خلال ركائز أساسية تشكِّل أولويات في سياسة المواجهة، وهذه الركائز هي:
أولاً: تنمية حسّ الممانعة والصمود:
وتنمية هذا الحسّ على المستوى الفردي والجماعي يستلزم عدم الاستسلام للمنهجيات الرأسمالية ونشر الوعي بالعولمة، طبيعتها ومجالاتها وتأثيراتها، وتنمية ذلك الحسّ يتطلَّب رفض سياسات الاستسلام والعزلة، وسياسة الانتفاضات السريعة والمؤقتة.
ثانياً: تدعيم الأمن الثقافي:
ويتأتَّى ذلك من خلال العلاقة الواعية مع الثقافة ومحاولة إيصالها لكل أفراد المجتمع لتشكِّل درعاً يصمد تجاه كلّ عمليات العولمة، وأيضاً من خلال تنمية الوعي الذاتي بغرس المفاهيم الثقافية الذاتية، وذلك عن طريق التربية الأسرية ومناهج التعليم ووسائل الإعلام. ولتحقيق الأمن الثقافي والاجتماعي لا بدَّ من السعي بخطوات حثيثة لمجابهة ما تقوم به العولمة من تنميط الأذواق والأعراف من خلال تجذير الفروق الفردية بيننا وبين ما تدعو له العولمة، ووضع أساس بيِّن وركيزة واضحة لتوضيح خصوصية الرؤية الإسلامية للحياة والموت، الدنيا والآخرة، العلاقة عموماً بالخالق، الحلال، الحرام، وحدة الأمَّة الإسلامية.
إنَّ تحقيق ذلك كلّه سيؤدي إلى تقوية إرادة التمنُّع عن الذوبان الثقافي والاجتماعي في تيَّار العولمة وفق خصوصية تتميَّز بها الأمَّة الإسلامية نابعة من قوله - تعالى: (كُنتم خير أمُّة أُخرجت للناس)
ثالثاً: وضع إطار عملي لتطوير الواقع:
ويشمل ذلك: