* أ.د. أحمد فؤاد باشا
مقدمة:
يتحدثون الآن عن (( العولمة ) )باعتبارها السمة المميزة لحضارة العصر المادية في سعيها إلى الهيمنة
وفرض سيطرة النموذج الغربي سياسياً واقتصادياً وثقافياً وعلمياً. ولكن هذا يخالف ناموس التفاعل الحضاري الذي يحكم العلاقة بين الثقافات العالمية الكبرى على أساس الاحتفاظ بالتمايز والخصوصيات. ولقد كانت (( عالمية ) )الاسلام وحضارته من أهم خصائص النموذج الاسلامي الذي حقق انتشاراً ودواماً متلازمين على الأرض لم تحققهما حضارة أخرى عبر عصور التاريخ الانساني.
وإن ما يحدث في الحاضر والمستقبل من تفاعل وتبادل بين ثقافات الأمم المختلفة ينبغي أن يكون امتداداً لعمل نفس القانون الذي اتبعته حضارات العصور القديمة والمتوسطة والحديثة، برغم الفارق الكبير بين وسائل الاتصال وآلياته ومعدلاته في كل من تلك العصور.
ـ التقدم العلمي في ظل العولمة:
إن صياغة تعريف جامع مانع ـ كما يقول المناطقة ـ لمصطلح (( العولمة ) )ليس بالأمر اليسير، نظراً لتعدد مفاهيمه التي تتأثر كثيراً بتعدد الاتجاهات إزاءه رفضاً أو قبولاً بدرجات متفاوتة.
والأفضل ـ فيما نرى ـ أن يتم تعريف (( العولمة ) )بتحديد أهم خصائصها وصفاتها ومظاهرها التي تدل عليها. ويمكن ـ من جانبنا ـ أن نجسد هذه الخصائص والصفات بصورة إجمالية في أمرين مهمين جداً:
ـ الأمر الأول نستشفه من تحاشي أنصار (( العولمة ) )وبعض فلاسفتها إدخال الدين ضمن مجالات نشاطها، فهم يحصرونها بصورة رئيسية في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة، وفي بعض الأحيان يدرجون مجال العلم والتقنية. وهم بهذا الاختزال، يجعلون منها (( علمانية ) )جديدة تستبعد الأديان من دائرة التأثير.
ـ الأمر الثاني هو ذلك التحيز الذي يصل إلى درجة التعصب للنموذج الغربي، وتعميمه، وفرض سيطرته وهيمنته، مع السعي إلى اختراق خصوصيات الغير وطمس القسمات التي تتشكل منها شخصيات الأمم والشعوب الأخرى، وخاصة المستضعفة منها، وهو ـ أي النموذج الغربي المدعم بالتفوق المادي والثقافي ـ يسخر من أجل هذا كل إنجازاته العلمية والتقنية، وقدراته الاقتصادية، وإمكاناته الإعلامية، بل وقوته العسكرية إذا اقتضى الأمر، ليفرض تصوراته الخاصة عن السلام والأمن والحرية وحقوق الانسان، وغير ذلك من المفاهيم التي لها عند كل أمة، بل عند كل توجه فكري وسياسي، تصور خاص.
وهذان الأمران اللذان يجسدان أهم خصائص العولمة الغربية ومظاهرها التي تدل عليها قد صاحبها خلال السنوات الأخيرة ظهور اتجاهات نقدية جعلت كثيراً من الشعوب، بل الحكومات في الغرب نفسه، تخشى هذا الخطر القادم، وترفض الاستجابة لدعواته، والانخراط تحت لوائه.
من ناحية أخرى، يتفق دعاة العولمة الغربية على اعتبار الاسلام في مقدمة الأخطار التي تواجههم أو تقوض أركان دعوتهم في جانبها الأيديولوجي، وقد ظهرت عقب انهيار الشيوعية كتابات وبحوث ومقالات تحذر من الاسلام على أنه الخطر الجديد. وفي المقابل هناك بعض المعتدلين الذين ينصفون الاسلام بمبادئه وقوته الروحية، ولا يجدون غضاضة في التعامل معه ومع أتباعه من خلال الحوار، ولا مانع لديهم من أن تكون الغلبة لمن يصلح للبشرية حتى ولو كان هو الاسلام.. فهم يرون البون واسعاً بين (( عالمية ) )النموذج الاسلامي، و (( عولمة ) )النموذج الغربي، حتى وإن حاول الغرب أن يضفى على تصوراته طابعاً إنسانياً، ويرفض أي نوع من الاختلاف حولها.
ولم يسلم العلم من السقوط في أسر أيديولوجيا العولمة الغربية (الأمريكية والأوربية واليابانية) ، فتحول البحث العلمي إلى سلطة سياسية مرتبطة بنفس الأيديولوجيا، وأصبح (( العلم السري ) )تعبيراً عادياً يبرر استثناء بعض مجالات البحث العلمي التي يتوقع أن تضر بالمركز التنافسي الاقتصادي والأمن القومي، من قانون حرية المعلومات الأمر الذي يؤدي إلى تخلف العلم نفسه في بعض الميادين.
كذلك أصبح العلم سلعة وموضوعاً للإنتاج في صناعة جديدة هي (( صناعة المعرفة ) )التي حلت تدريجياً محل المادة في الإنتاج. الأمر الذي جعل مكانة المواد الأولية الطبيعية أكثر تدهوراً، لأن الحاجة إليها تقل تدريجياً، وهذا ينعكس سلباً على حركة التقدم العلمي في الدولة التي تلهث وراء تقنيات جديدة تحتكر العولمة إنتاجها. ومن الأمثلة الصارخة على الخلل الذي أحدثته العولمة في توجيه مسيرة العلم والتقنية مشكلة التلوث البيئي التي تزداد تفاقماً يوماً بعد يوم، وأصبحت خطراً قائماً يهدد حياة الانسان في كل مكان على الأرض، وينذر بأوخم العواقب.
ـ قانون التفاعل الحضاري:
يمكن القول بأن المعادلة التي تبلورت من خلال الدراسات الموضوعية الجادة في تاريخ المعرفة والحضارة الانسانية قد أصبحت في حكم الحقيقة التاريخية الثابتة التي تعبر عن العلاقة بين ثقافات الأمم على أساس التفاعل المتبادل من جهة، مع الاحتفاظ بالهوية والقسمات المميزة من جهة أخرى.