فهرس الكتاب

الصفحة 17124 من 27364

جمال الدرواني

24 محرم 1428هـ الموافق له 11- 2- 2007م

"جينتاو يستكمل مشروع تمدّد الصين بأفريقيا"لم تجد شبكة سي إن إن الإخبارية الأمريكية أبلغ من هذا التعبير لوصف زيارة الرئيس الصيني هو جينتاو للقارة السمراء، والتي شملت 8 دول هي: الكاميرون وليبيريا، والسودان وزامبيا، وناميبيا وجنوب أفريقيا، وموزمبيق وجزر سيشل خلال الفترة من 30 يناير حتى 10 فبراير 2007م.

وبالنظر إلى الجولة الأفريقية للرئيس للصيني يمكن القول: إنها تستكمل مرحلة الواقعية السياسية التي تنتهجها بكين حالياً، والتي تخلصت إلى حد كبير من الإرث الشيوعي الذي كان يعتمد في السابق على نشر الأفكار الثورية، متخذة من البرجماتية السياسية منهجاً تصيغ من خلاله علاقتها الخارجية بما يتماشى مع المصلحة الاقتصادية للصين.

أفريقيا بين الرجل الأبيض والأصفر:

كما كانت القارة السمراء في السابق المعين الذي لا ينضب للرجل الأبيض الذي نهب ثرواتها المادية والبشرية في فترة التمدد الامبريالي، والتي نجح خلالها في بناء امبراطوريته العسكرية والاقتصادية؛ فإن القارة نفسها باتت هي الأخرى محط أنظار التنين الأصفر الجديد الذي يسعى هو أيضاً للتوسع في القارة السمراء ليس لإقامة امبراطورية اقتصادية فقط، ولكن لإقامة توازن سياسي واقتصادي مع القطب الأمريكي.

غير أن القارة السمراء تبدو متنبهة هذه المرة ليس لوقف التمدد الصيني؛ ولكن من أجل إقامة علاقات متوازنة تنتقل خلالها القارة السمراء من مستودع مواد خام إلى كيان اقتصادي مستقل، هذا الأمر عبر عنه رئيس جنوب أفريقيا ثابو مبيكي الذي حذر من إمكانية"استعمار"أفريقيا.

وفي تصريحات له في شهر ديسمبر 2006 قال مبيكي: إن"الخطر الكامن"يتمثل في ظهور"علاقات غير متكافئة بين الصين وأفريقيا"مثل تلك التي كانت في الماضي بين الدول الأفريقية والقوى التي استعمرتها، فليس من المطلوب أن تأتي الصين إلينا"لتنقب عن مواد خام، ثم تذهب لتبيع لنا سلعاً مصنعة".

رسالة مبيكي وجدت آذاناً صاغية من قبل الصينيين، الذين ردوا على لسان الرئيس هو جينتاو بالقول:"الصينيون أمة محبة للسلام، نعيش في تعاون وتجانس بين الأمم، ونعتقد أن القوي والغني يجب ألا يستأسد على الضعيف والفقير"، وأوضح"جينتاو"أن"الصين لم تفرض إرادتها أبداً أو ممارسات غير منصفة على الدول الأخرى، ولن تفعل ذلك أبداً في المستقبل"، مضيفاً"وبالتأكيد لن نقدم على أي شيء يضر بمصالح أفريقيا أو شعوبها".

الفقرة الأخيرة من كلام جينتاو يمكن القول أنها تمثل في حقيقة الأمر جوهر السياسة الصينية التي تجاوزت مرحلة الثورية الشيوعية إلى الواقعية الاقتصادية، والتي تعني في الأساس التخلي عن نشر الأفكار، والتركيز على إقامة علاقات متوازنة مع واشنطن من خلال البحث عن منطقة صراع جديدة بعيدة إلى حد ما عن الهيمنة الأمريكية.

كما أن منطقة الصراع الجديدة يفترض بها أن تحوي بداخلها إمكانات مادية واقتصادية تمثل احتياطي استراتيجي من المواد الخام الرئيسية التي تعتمد عليها عجلة الاقتصاد الصيني الذي حقق في عام 2006م معدل نمو يناهز 10.7%، وهو الأكبر منذ 1995م.

هذا النمو جعل بكين في حاجة إلى أسواق جديدة قادرة على استيعاب جزء من الصادرات الصينية، إضافة لحاجة الآلة الصناعية الصينية للمزيد من المواد الخام التي بدأت تتوافر في القارة الأفريقية بكثرة.

مصالح أفريقية:

المتابع لجولة الرئيس الصيني الأخيرة للقارة السمراء يلاحظ أنها اشتملت على عدد من الدول المتهمة من قبل الغرب بانتهاك حقوق الإنسان، أو تخضع لأنظمة سياسية غير منتخبة بصورة ديمقراطية، وهنا يتجلى بوضوح طبيعة العلاقة التي تربط بكين بدول القارة، حيث أن الصين بدأت ما يمكن تسميته بالمتاجرة السياسية وذلك من خلال اللعب بورقة مقعدها الدائم في مجلس الأمن الذي يمكنها من تعطيل الضغوط، ومشاريع القرارات الغربية ضد الدول الأفريقية المستهدفة من قبل الغرب.

وهذا ما تم على سبيل المثال مع السودان، حيث لجأت الصين في مرات عديدة إلى التهديد باستخدام حق النقض الفيتو في مجلس الأمن ضد قرارات بفرض عقوبات على الخرطوم بشان إقليم دارفور، في مقابل هذا الضغط تحصل بكين على أثمان اقتصادية عبر عطاءات ومشاريع في القارة الأفريقية خاصة في مجال التنقيب عن النفط، وهو ما رحبت به الدول الأفريقية التي وجدت في تنامي النفوذ الصيني أمراً يصب في مصلحتها، حيث يتيح لها متنفساً دولياً بعيداً عن مشاريع الهيمنة الغربية التي تطالب باستحقاقات سياسية وحقوقية ليست مطروحة الآن على أجندة النظم والنخب الحاكمة في القارة السمراء.

كما استفادت دول القارة الأفريقية من علاقاتها مع بكين، فمنذ إقامة"منتدى التعاون بين الصين وأفريقيا"في عام 2000م دخل التعاون الاستثماري والتجاري بينهما عهداً جديداً مع تحقيق تنمية شاملة وسريعة ومستقرة، حيث زاد حجم التجارة ليصل إلى 39.7 مليار دولار أمريكي في عام 2005م بعد أن كسر علامة الـ10 مليارات دولار في عام 2000م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت