إبراهيم غرايبة 12/4/1428
ترجح الأزمات والأحداث، الكبرى منها واليومية تقديراً عاماً متكرراً بإخفاق الإعلام العربي في استيعاب التحولات الجارية والتعامل مع الأحداث والقضايا في التأثير في الرأي العام العالمي وخدمة المواطنين العرب والمسلمين في إدارة قضاياهم وأولوياتهم، ويظل سؤال دائم ملح عندما تنتهي كل أزمة، ما هي أزمة الإعلام العربي؟ بل إننا نتحول في كثير من الأحيان في التفكير والاهتمام إلى وسائل الإعلام وإدارتها ومواقفها بدلاً من قضايا الساعة وتطوراتها، بدءاً من فلسطين والعراق والرسولم المسيئة للرسول في الإعلام الدنمركي والانتفاضة والمقاومة ومؤتمرات القمة والقضايا العامة الوطنية والإقليمية من الاستثمار والتنمية والعمل والبطالة والبيئة والجريمة والتعليم والادخار وحقوق الإنسان والحريات والثقافة إلى حياتنا اليومية ومشكلاتنا وقضايانا الاجتماعية والثقافية.
هذا الإخفاق المرجح وحتى في حالة النجاح يتكون لدينا شعور عام بالفشل والحيرة والارتباك يدعو إلى البحث والتفكير في التعامل مع الإعلام الذي يغرق الفضاء وشبكات الإنترنت والاتصال؛ فالإعلام اليوم يغوي ويستدرج الناس، العامة والمثقفين والمفكرين والقادة والمسؤولين إلى مواقع من التضليل والغيبوبة وغياب الرؤية والفهم الصحيح.
فهذا التدفق المعلوماتي الهائل من الفضائيات والإنترنت والصحف وأدوات الاتصال يحتاج في الوقت نفسه إلى مؤهلات وأدوات منهجية جديدة يجب امتلاكها للخروج من الحصار الذي تفرضه على الأفراد والمجتمعات بل والدول والمؤسسات، إلى درجة لا تكاد تختلف عن الحصار بالتكتم والحظر، وكما يقول المفكر نعوم تشو مسكي:"نحتاج إلى سلوك طريق الدفاع الفكري عن النفس لحماية أنفسنا من الخداع والسيطرة، فالحكم سواء كان ديموقراطياً أو استبدادياً يقوم على الرأي، وكذلك الإنتاج والاستهلاك".
ونحتاج إلى قدر كبير من التمحيص والذكاء في التعامل مع الطوفان الإعلامي والمعلوماتي الذي تغرقنا به وسائل الإعلام المتنوعة، ليس فقط من أجل تمييز الصواب من الخطأ والكذب من الصدق فيها، ولكن لتجنب حالة خطرة تُستدرج إليها المجتمعات والحكومات والمؤسسات العاملة في الإصلاح والتنمية وحتى الأفراد أيضاً، وهي أن تخضع الاهتمامات والبرامج والاتجاهات والفتاوى والمواقف والأفكار على مستوى الأمم والأفراد والمجتمعات والحكومات في العمل والتفكير والترويج والإنتاج والاستهلاك والتجارة والرأي وأنماط الحياة والتفكير والطعام واللباس والسكن حتى في الدواء والعلاج لاتجاهات إعلامية ذات دوافع هي ابتداءً سياسية أو احتلالية أو ترويجية، فيتحول الإعلام إلى مصدر أساس للسياسات واشتقاق البرامج والخطط، وتغيب حينها القضايا والأولويات الكبرى والمهمة؛ لأنها لا تملك الاهتمام الإعلامي أو لأنها تخضع لحرب من التجاهل والصمت.
ولعل أسوأ أنواع الحروب الإعلامية على القضايا والأولويات المهمة التي تتطلع إليها الأمم والمجتمعات هي تجاهلها بالصمت وعدم النشر حولها، فذلك يقلل أهميتها ويبعدها عن الاهتمام، ويحولها إلى قضية ثانوية أو مجهولة، ويشغل الناس بغير أولوياتهم واحتياجاتهم.
ويحتاج الناس لمواجهة هذا الطوفان الدعائي إلى استخدام ذكائهم العادي، وتفحّص الطوفان الإعلامي بالحس السليم العادي والذكاء المتشكك، وربما لا يلزمنا أكثر من دقيقة، ونحن نراقب محطات التلفاز ونتصفح وسائل الإعلام للتفكير ببساطة وبداهة: ماذا يجب أن نعرف؟ وماذا يريدون لنا أن نعرف أو لا نعرف؟
إن المعرفة هي جوهر السلطة، والاحتلال بوصفه سلطة هو في الأساس عملية ثقافية ومعرفية أكثر مما هي عسكرية، وقد ارتبطت بالاحتلال والاستعمار الحديث علوم ومعارف وتطورات مصاحبة له، فالاستشراق وفق المفكر العربي الأميركي إدوارد سعيد هو"أسلوب غربي للسيطرة على الشرق، واستطاعت الحضارة الغربية عن طريقه أن تعيد إنتاج الشرق سياسياً واجتماعياً وعسكرياً وعقائدياً وتخيلياً". وكان للاحتلال بأشكاله وصيغه المختلفة المباشرة وغير المباشرة أدواته المعرفية والثقافية وأهمها بالطبع المناهج التعليمية وأوعية البث الإعلامية المختلفة التي تصوغ وتنظم الأمم والدول والنخب والرأي العام، وتحدد مواقفه وذوقه وسلوكه.
ورافق الاحتلال في الواقع عمليات إعمار وتنمية، فقد فتحت مدارس وجامعات وطرق ومطارات، وبُنيت مؤسسات إدارية وبيروقراطية وجيوش وأجهزة شرطة، ولكنها على الرغم مما قدمته من خدمات وتطوير، أعادت بناء وصياغة المجتمعات والدول على نحو يكاد يظن المحلل أنه لا فكاك معه من الاحتلال.