فهرس الكتاب

الصفحة 24522 من 27364

بدر بن سليمان العامر 18/12/1423

نقصد بالاستراتيجية الأمريكية تلك السياسة الدولية التي تديرها أمريكا، ويقف معها قوى أخرى تشكل حلفاً ( غربياً ) متشابك الأهداف والمطامع؛ لصياغة واقع ومستقبل العالم المعاصر.

هذا التحالف يشهد في الواقع المعاصر نشوة وقوة وتقارباً بعد سقوط المنظومة الشيوعية الشمولية، وإن كانت أمريكا هي الراعية الرسمية والتي ستنال نصيب الأسد من هذا التحالف، إلا أن الدول الغربية والتي تجمعها مع أمريكا قواسم مشتركة كثيرة - وخاصة بريطانيا - تقدر أن الانضواء تحت أمريكا في الوقت الحاضر خيار لا بد منه؛ حتى لا تنفرد أمريكا بالنصيب الأكبر من هذه الاستراتيجية المتشعبة الأهداف والمطامع والوسائل .

بدأت إرهاصات هذه الاستراتيجية للمراقبين مما يدور في أروقة السياسة والفكر والإعلام الغربي، منذ أن بدأ الإعلان عن النظام العالمي الجديد، ومناقشة المخاطر التي تعوق انصياع العالم أجمع لهذه الاستراتيجية .

وينظر الغرب إلى العالم الإسلامي نظرة خاصة، فهو يشكل جزءاً من الصراع الحضاري بين الشرق والغرب، وبين الإسلام والمسيحية، ويمتلك مقومات السبق الحضاري، والريادة الفكرية، ولذا ظهرت النظريات المتضاربة في استشراف مستقبل هذا الصراع، سواء مع العالم الإسلامي أو مع غيره من الأمم والحضارات ، فظهرت نظرية ( نهاية التاريخ ) لفرانسيس فوكوياما، التي قامت على حتمية تاريخية تماماً كما هي الفكرة الشيوعية التي رأت أن العالم يسير حتماً في سيرورته التاريخية صوب الشيوعية.

تشير نظرية"فوكوياما"إلى أن العالم سيقف على أعتاب (الليبرالية) الغربية، وبالأخص القيم الأمريكية التي يراد لها أن (تعولم) في وقت الانفراد الأمريكي في قيادة البشرية، وتلك هي المحطة النهائية في تاريخ الصراع البشري، أي أن نهاية تاريخ الصراع ستفضي إلى انتصار نهائي للرأسمالية الليبرالية.

وفي مقابل هذه النظرية ظهرت نظرية (صراع الحضارات) ، وهي تعتقد جازمة أن مستقبل الأيام سيشهد صراعاً قوياً بين الحضارات الإنسانية ، وهي نظرية تجيش الوعي والنفس الغربية للترقب بحذر شديد حول هذه الحضارات المرشحة للصراع .

ولما للعالم الإسلامي من مقومات حضارية، تاريخية وسكانية وعقدية، وجغرافية، ومقومات حضارية كبيرة، فإن الغرب جعل محور الاهتمام بهذه البقعة جزءاً من سياسته الطامحة إلى استعمار العالم من خلال المؤسسات الأممية التي يسيطر عليها بعد الحرب العالمية الثانية .

في خضم هذا الترقب والتوجس والاستعداد، جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي أسرعت بشكل كبير ، بل طوت الأيام لتجعل العالم في واقع قلق ومضطرب، ولتقنع أهل السياسة في الغرب بصحة ما سطرته أيدي ضاربي الطبول للصراع الحضاري، وخاصة أن المكلوم من الضربة قائد الغرب وحادي مسيرته ( أمريكا ) الذي تلقى صفعة قوية جعلته كالثور الهائج الذي لا يلوي على شيء، فراح يصب جام غضبه على أرض أفغانستان المسلمة، ويمطرها بوابل كبير من الحمم والقذائف راح ضحيتها آلاف من الدماء البريئة لمجرد الانتقام!

الاستراتيجية الأمريكية في العالم العربي والإسلامي ضخمة ومتشعبة ولها مطامح ومطامع كبيرة ، ولعلي ألخص أبرز أهدافها في:

المد الإسلامي ... والترقب الغربي:

يشكل بزوغ ظاهرة المد الإسلامي الكبير هاجسا كبيرا للغرب عامة ، ولأمريكا خاصة، ولذا عني المفكرين والكتاب والمثقفين الغربيين برصد هذه الظاهرة في وقت مبكر، ولا تعجب أن كاتباً مشهوراً معروفاً في أوساط المثقفين الإسلاميين وهو ( برنارد لويس ) ، وهو مستشرق يهودي الديانة بريطاني الجنسية، أمريكي الشعور، مقتنع جدا بالسياسة الأمريكية في الشرق الأدنى؛ لأنه أحد المنظرين لهذه السياسة في الجامعات الأمريكية .

هذا الكاتب الذي يبلغ من العمر الآن ستاً وثمانين سنة ، كتب في التوجهات الإسلامية وموقف الحركات الإسلامية من الديمقراطية ونقدها نقداً شديداً ، وجاب العالم الإسلامي كله، ومرّ على جامعاته ومعاهده وكل مناطق التوجيه الفكري فيه، ويمثل مثالاً قوياً لحركة الرصد للحركات الإسلامية والظاهرة الصحوية الإسلامية، وخلق سياسة عامة في الغرب - هو وغيره من المفكرين - لكيفية التعامل معها .

لقد ارتاح ( برنارد لويس ) كثيرا لأحداث الحادي عشر من سبتمبر وبزوغ ابن لادن في الواقع؛ لأنه يرى أنه يشكل هو وطالبان الصوت الشاعري البليغ المعبر عن الغضب الإسلامي، فهو يبرهن على صحة نظريته في وجوب التدخل الأمريكي والغربي في الشرق الأوسط للوقوف أمام هذا المد الإسلامي وإحلال النظم الديمقراطية فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت