د. خالد بن سعود الحليبي * 25/12/1424
صخب وضجيج تكتظ به صحافتنا المحلية في أعمدة عدد كبير من الكتاب هذه الأيام، يتحدثون عن بلادنا ـ حرسها الله ـ وكأنها بلاد متخلفة حضاريًّا، لا تزال تعيش بين تلافيف غابات مجهولة تحتاج إلى (كولمبس) جديد ليكتشفها، فتراهم وكأنهم يمسكون بيد ضرير خشية أن يقع في حفرة، أو ليسلكوا به طريقًا لا يعرفه من قبل..!
إن هؤلاء الكتبة ينادون برفع (الوصاية) من أيدي علماء الشريعة كما يعبرون ـ بدهاءٍ ـ بهذا المصطلح عن المصطلح الحقيقي الذي يريدونه وهو: (إلغاء مسؤولية العلماء عن المجتمع) ، ليأخذوا هم بالزمام فينصبوا أنفسهم أوصياء على بلادنا وشعبنا، فيتحدثون باسم جماهير الشعب دون أن يحصلوا على تفويض منه، بل ولا قسم ضئيل منه؛ لأنهم لا يمثلون سوى أنفسهم، ويكررون الحديث عن المطالبة بحقوق المرأة السعودية في مطالب لا تمثل هموم المرأة السعودية الحقيقية، وإنما تمثل أحلامهم التي نسجوها خلال تلقيهم ثقافتهم المؤمركة.
لقد تجرأ كثير من هؤلاء على أن يتهم المجتمع كله بالتخلف وكاد بعضهم ـ لاسيما من غير السعوديين ـ يصرح بأن المجتمع السعودي للتو بدأ ينهض، ومعنى ذلك أنه كان في تخلف ورجعية. وثان دعا إلى عزل الدين عن الحياة في دعوة صريحة للعلمانية، وثالث استهجن رجوع الشباب إلى العلماء المعتبرين واستشارتهم في أمور حياته وعمله، ورابع يطالب بسفر المرأة دون إذن زوجها لتحقق حريتها، وخامس يضع جميع دعاة البلد من أهل التكفير، وسادس ينادي بألا يتحدث بعد اليوم أحد باسم الدين، فلكل فرد ـ أيًّا كانت خلفيته العلمية ـ أن يتحدث بما شاء من أمور الشريعة، ملغيًا هيئات حكومية عليا بأكملها كهيئة كبار العلماء، ومقام سماحة مفتي عام المملكة، ومجمع الفقه العالمي؛ بل وأحقية الشريعة في كونها أشرف علم وأعظم اختصاص، لا يحق لغير المختصين فيه أن يخوضوا في دقائقه، وسابع ينادي بإلغاء التعليم الشرعي نهائيًّا مدعيًا أن المساجد تكفي للتثقيف الشرعي، وثامن يفصل في قضايا في منتهى الدقة من أمور العقيدة مما يتصل بالولاء والبراء مما يعجز عنه بعض طلبة العلم الشرعي ولا يفتي فيه إلا كبار العلماء، وتاسع يرى أنه لا خصوصية لمجتمعنا نهائيًّا، وأن هذا من أسرار تخلفنا، وأنه آن الأوان ألا ننظر إلى الخلف.. ولا أدري ماذا يعني بالخلف؟! وعاشر بل عشرات..!
كلنا نحب الحرية في طرح آرائنا، ولكن الحرية لا تعني أبدًا أن يتحدث أصحاب الثقافة المستوردة بالكامل في قضايا لا يستطيع الخوض فيها إلا أهل الرسوخ في العلم، يقول الله جل في علاه: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) . [سورة النساء 83] .
إن الأمر جلل.. فلقد أصبح هؤلاء يتقافزون على الصحف بطريقة مثيرة للراصد، فها هي أسماء كثيرة جدت على هذه الصفحات خلال الأيام القليلة الماضية، من خارج المملكة وداخلها، تجعلنا نتساءل ـ ببراءة ـ من أين أتى كل هؤلاء؟ وكيف خرجوا؟ ولماذا الآن بالذات؟ وإلى ماذا يرمون؟ ولماذا تسمح لهم الصحف بكل هذه المهاترات والاعتداءات على صميم العلم الشرعي أهله، مشنعين بفلان! ومستهزئين بفلان! وهل وراء الأكمة ما وراءها؟!
وإذا كان من حق كل إنسان أن يقول رأيه بكل حرية، فلماذا تحجب الآراء المخالفة لهذه الأطروحات في الصحف، وتحرق الردود والمناقشات الموجهة ضدها؟ ولماذا لم تحفل معظم الصحف والقنوات الفضائية من بين المشاركين في الحوار الوطني السعودي إلا بالشخصيات التي تحمل الرأي الذي تعتنقه تلك الصحف، بينما اختفت أسماء الدعاة المشاركين على ما لهم من قدر كبير في الطرح، وقدرة على استيعاب مستجدات الحياة المعاصرة، واستعداد واسع الأفق للحوار وتفهم وجهة النظر المخالفة بكل أريحية..؟! ولو لم يكونوا كذلك لما اختيروا أصلاً، ولماذا تصر الصحف على أحادية الطرح، بينما تحمل على الرأي المخالف لها حملة شعوا؛ بل وتلقي كل ما يناقش هذه الآراء في سلة المهملات عمدًا كما صرح بذلك أحدهم..!
إن الأسئلة أكبر من حجم هذه السطور.. ويبقى السؤال الأكبر منها جميعًا: إلا تمثل هذه الأطروحات المتتابعة تطرفًا آخر قد يثير تطرفًا فكريًّا جديدًا في مقابله؛ فيخسر الوطن فرصة حوارية كان من الممكن أن توصلنا شفافيتها إلى وضع أفضل؟.
عفوًا أيها المتزيدون.. إنني لا يمكن أن أتهم بلدي بأنها كانت تسير في اتجاه خاطئ؛ بل كانت ولا تزال تسير في اتجاه حدده المولى الخبير بعباده وبما يصلحهم، أوصلها إلى قمة في الأمن لم تحلم به أمريكا منذ أن تكونت من أشتات الأرض، ولكن ذلك لا يعني أبدًا ألا أقبل الحوار؛ بل مرحبًا به بكل آدابه، وبكل نتائجه التي لا تمس معتقدًا ولا مبدأً ولا كيانًا ككيان وطني الحبيب وشخصيته المتميزة.. نعم المتميزة.* الوكيل التعليمي بكلية الشريعة بالأحساء