د.عوض القرني 9/1/1424
إن ما يسمى بمنطقة"الشرق الأوسط"تتعرض لمخاطر جسيمة وتحديات مصيرية، قد تكون أشد خطورة وأبلغ أثراً مما تعرضت له المنطقة في نهاية الحرب العالمية الأولى .
وقد تكون هذه الأحداث هي حجر الزاوية في إعادة رسم وتشكيل خارطة القوى العالمية، ومناطق النفوذ لهذه القوى في العالم خلال القرن القادم .
البداية في حرب الخليج الثانية:
لقد رسمت أمريكا في حرب الخليج الثانية ملامح المستقبل لصالحها ونصبت نفسها زعيمة للعالم بتلك الحرب .
لقد قلتُ في سنة 1411 هـ إن تلك الحرب ليست مفاجئة ولا على غير المتوقع، بل هي حرب يعد لها منذ سنوات بعيدة من خلال العديد من الاحتمالات المتوقعة في نظر مخططي تلك الحرب وقلت في حينها:
إن لهذه الحرب دوافع وأهداف للاعب الرئيس فيها"أمريكا"، أما اللاّعبون الصغار فإنما هم أدوات يُضرب بعضها ببعض، ويُجعل بعضهم طعماً للبعض الآخر.
وأستميح القارئ عذراً لأُذكِّر باختصار بما قلت في حينها، وليقارن القارئ الكريم ذلك بما وقع في النهاية، لقد قلت: إن لأمريكا من هذه الحرب عدة أهداف منها:
1 -ضرب القوة العسكرية العراقية الناشئة التي بنيت بأموال الخليجيين وإشراف أمريكا؛ لئلا تشكل هذه القوة تهديداً مستقبلياً لإسرائيل، بعد أن استنفدت دورها في ضرب إيران وتشغيل مصانع السلاح الغربي .
2 -ضرب القوة الاقتصادية للدول الخليجية، والتي كان لها أبلغ الأثر في دعم البنية التحتية للصحوة الإسلامية على مستوى العالم من مساجد ومراكز ومدارس وجامعات ومجلات وكتاب وشريط وغير ذلك، بالإضافة لما تمثله من دعم لدول المواجهة مع إسرائيل وللشعب الفلسطيني ومن تنمية واعدة لشعوب المنطقة .
3 -وضع بترول المنطقة تحت السيطرة شبه المباشرة للقوات الأمريكية، وهو ما ظلت أمريكا تعمل له منذ عام 1973م، ولم تعد تثق في التفاهمات السياسية أو تعتمد عليها لتأمين إمدادات الطاقة للمدنية الأمريكية .
4 -فرض الصلح بين العرب وإسرائيل بما يحقق الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة ويضمن لها الاستقرار المستقبلي، وتدشين ما سمي بالشرق الأوسط الجديد بديلاً للروابط الدينية والقومية .
5 -إثارة القلاقل في دول المنطقة بين الأنظمة، بإثارة بعضها ضد البعض الآخر وتخويف بعضها من بعض، وبين الأنظمة والشعوب من خلال استفزاز الشعوب بالوجود الأمريكي في المنطقة، ومن خلال الأعباء الاقتصادية المترتبة على الحرب وعلى الوجود العسكري الأمريكي بعد الحرب، مما يؤثر على معيشة الناس وحياتهم .
6 -ضرب الصحوة الإسلامية على امتداد الساحة العالمية والتي كان لمنطقة الخليج الدور الأكبر في دعمها ونشرها، مما سيؤدي إلى ردود فعل عنيفة واستهلاك للجهود في الصراع الداخلي .
وإنني أتساءل بعد هذه السنين هل صدقت هذه التوقعات التي كانت في حينها مدعومة بالوثائق والأدلة والبراهين، والتي استفز القول بها بعض المسبحين بحمد أمريكا، والتي قد تكشف الأيام ضلوعهم الكبير في تنفيذ مخططها .
وها نحن اليوم وجهاً لوجه في مواجهة أمريكا مرة أخرى وفي منطقة الخليج أيضاً ، فما أشبه الليلة بالبارحة .
لقد ترددت كثيراً قبل الكتابة في هذا الموضوع لا يأساً ولا إحباطاً - عياذاً بالله - ولكن لظني أن الأحداث قد أصبحت أكثر من أن تخفى على أحد، حتى فوجئت ببعض طلبة العلم وبعض المثقفين يخوضون فيها خوضاً عجيباً، فرأيت لزاماً أن أدلي بدلوي في هذا الموضوع؛ أداءً للواجب وإسهاماً في بيان الحق، وتثبيتاً للناس ولعل وعسى، وسيكون الحديث من خلال المحاور الآتية:
المحور الأول:
دوافع أمريكا في هذه الحرب
ما فتئت أمريكا تعلن صباح مساء أن هدفها من الحرب هو نزع أسلحة الدمار الشامل في العراق؛ حتى لا يشكل خطراً على جيرانه، لكن كل عاقل في العالم يعلم أن هذه مجرد شماعة تعلق عليها المقاصد الأمريكية الحقيقية ، فالعراق دمرت قوته العسكرية في حرب الخليج، ثم استباحت فرق التفتيش والتجسس الدولية كل شبر فيه طوال عشر سنوات، بالإضافة للقصف شبه اليومي الأمريكي والبريطاني لشماله وجنوبه والحصار المفروض عليه، والتصوير بالأقمار الصناعية والطائرات التجسسية، وقد اعترف بذلك مسئولو فرق التفتيش السابقين، ولقد رأينا عجباً في بحث فرق التفتيش عن الأسلحة النووية وغيرها في المساجد ومصانع حليب الأطفال والكليات التي يدرس فيها آلاف الطلاب، وكأنه لم يكف العراق أنه ابتلي بحاكم علماني مجرم فعل فيه الأفاعيل حتى ابتلي بهذه الحرب الصليبية الحاقدة الظالمة التي مات بسببها ملايين الأطفال والنساء والشيوخ، وأذل بها شعب كامل كان لزمن طويل غرة في جبين الحضارة وحامل مشعل التقدم والمدنية.
وإذا لم تكن هذه الدعوى الكاذبة المرفوعة هي السبب الحقيقي، فما هي الأسباب يا ترى ؟