27-8- 2006م
الظروف الضاغطة والخطيرة التي تشهدها لبنان بعد حرب مدمرة طالت البشر والحجر والشجر تنذر بما هو أسوأ، وتتطلب مراجعة سريعة وحقيقية وواقعية لأسباب هذه الحرب بعيداً عن العاطفة والجدل العقيم الذي لا يقدم ولا يؤخر شيئاً، والإقرار بأن أخطاء كثيرة ارتكبت من جميع الأطراف اللبنانية بمختلف مشاربها السياسية والإيديولوجية، وأن توجيه التهم فقط إلى"حزب الله"وسوريا وإيران دون غيرها من الأطراف الأخرى التي تتجاذبها المصالح والأهداف السياسية في المنطقة موقف منحاز يعمق الإشكال أكثر مما يعالجه.
قد تكون كل هذه الاعتبارات غير غائبة عن ذهن اللاعبين في مرمى لبنان، فانتقاد"المغامرة الأحادية"لحزب الله ربما يكون مشروعاً، ولكن كان يتوجب الإفصاح وتحديد أسباب هذه"المغامرة"، حتى لا يبدو الناقد كمن يبحث عن الإبرة في القشة، ويبقى التفاهم اللبناني اللبناني، والسني الشيعي، والمسيحي الإسلامي، والمقاوم والمسالم؛ الخيار الوحيد المطروح في الساحة اللبنانية لاستثمار"الصمود"المحقق في وجه العدوان الإسرائيلي.
الحوار له مزايا واستحقاقات، رغم أنه قد لا يجد من اللبنانيين آذاناً صاغية لفرط ما كابدوه من إرهاق سياسي واجتماعي خلال السنوات الماضية بسبب التدخلات العربية والأمريكية، والإسرائيلية والإيرانية في شأنهم الداخلي، وقلة أو انعدام ما جنوه من فوائد ومكاسب من تلك التدخلات.
والحق يقال: إن اللبنانيين يتصورون وجودهم وكأنهم مخيرون بين المقاومة أو التفاوض مع إسرائيل دفعاً للحرب التي تطالهم للمرة السابعة، وأن حل مشكلتهم لا يخرج عن توخي أحد طرفي هذه الثنائية"المستعصية"، مشكلة هذه المقاربة أنها تغفل عن خصوصية القضية الأساسية وهي التدخلات الأجنبية في الشؤون اللبنانية، والطمع الإسرائيلي.
وهذه أكثر من أن تكون ظاهرة عادية أو طبيعية، ما يجعل من اعتراف أحد الطرفين بالثاني بمثابة الاعتراف بالطرف الخارجي الآخر.
وانطلاقاً من هذه الخصوصية اللبنانية ربما يتعين على الدولة اللبنانية"الضامن الحقيقي"للسيادة والحرية والاستقلال أن تكافح من أجل بسط نفوذ الدولة على كل شبر من الأراضي اللبنانية، وفي الوقت نفسه للانعتاق من جميع سبل النفوذ الخارجي، أي من أجل الإقرار بأن لبنان ليس ميداناً للصراعات الدولية للقوى العظمى على حسابهم، والأمر ذاك قد يكون محسوماً إذا اتفق جميع الفرقاء اللبنانيين في طاولة الحوار الداخلي على الحديث عن"التنازلات الواجبة"لكل طرف في المعادلة اللبنانية، وبهذه الخصوصية قد لا يكون عسيراً الاكتفاء بمجرد المفاضلة بين المقاومة أو التفاوض أو التدخل الأجنبي أو السلم السياسي الداخلي (إن سلمنا بأن مثل هذه المفاضلة قد طرحت في يوم من الأيام) .
والتردد الدائم بين القتال والتفاوض، بين العنف والتسوية، بين الفتنة الداخلية والسلم الداخلي، ونزوعها إلى التسويف وإرجاء الحسم إنما هي في بعض جوانبها تعبيراً عن تلك الخصوصية المشار إليها سابقاً!
* لماذا الحرص على تجريد لبنان من السلاح والانتماء؟
في السياق نفسه يحمل الموقف العربي العام أو الخاص من"حزب الله"الكثير من التناقضات والتباينات، لأن"حزب الله"كحركة مقاومة، وهيئة شعبية، وتيار إسلامي"شيعي"نفسه مليء بالتناقضات، مما يجعل الحكم على نشاطاته في لبنان عموماً والجنوب خصوصاً ضرباً من الخيال، الحزب يواجه إسرائيل مواجهة عسكرية وكأنه جيش مغوار، أثبت أنه قادر على إلحاق خسائر بالقوات الإسرائيلية العدوانية التي لا"تغلب"، وهذا الجانب يلهب مشاعر المسلمين في جميع بقاع العالم وخاصة في البلاد العربية حتى ولو كان نصراً"وهمياً"حسب بعض وسائل الإعلام العربية، وحتى ولو كان على يد العرب من"لبنان"ولغير مصلحة العرب"إيران"كما جاء في تصريح لمسئول عربي.
غير أنه يجب التنويه - رغم شكوكنا حول المستفيد من الحرب الأخيرة - بأن المقاومة اللبنانية اليوم تنتج"ثقافة"جديدة تؤكد رسالة واضحة أنها مع كرامة الإنسان اللبناني والعربي، وبالمقابل التآمر عليها"بات مكشوفاً سواء في لبنان أو فلسطين، لأن النظام الجديد الذي تريد أمريكا إرساءه في المنطقة هو تفرد وهيمنة العدو الصهيوني على المنطقة".
كان تركيز الولايات المتحدة الأمريكية في تدخلها المباشر في أزمة لبنان المستفحلة على أكثر من صعيد، من خلال الأغراض الإستراتيجية الخمسة:
1-انسحاب كامل وشامل للقوات العسكرية والمخابراتية السورية.
2-تجريد المقاومة الإسلامية اللبنانية (حزب الله) من السلاح.
3-إبعاد لبنان عن محيطه العربي انتماء وشعوراً.
4-تأمين حدود إسرائيل على المدى البعيد.
5-فرض تسوية سلمية بين بيروت وتل أبيب في آخر المطاف.