فهرس الكتاب

الصفحة 7740 من 27364

محمد سليمان أبو رمان

ربط مشروع الشرق الأوسط الكبير (انظر: نص الوثيقة في صحيفة الحياة 13 فبراير 2004) بشكل وثيق بين مصالح الدول الكبرى وتحقيق الإصلاحات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية المطلوبة من الدول العربية والإسلامية لمواجهة الإرهاب والتطرف، واستندت الوثيقة بشكل مباشر على تقريري التنمية العربيين الصادرين عن الأمم المتحدة (وقد قام بوضعهما باحثون عرب) ، فقد ورد في نص المشروع:"يمثل الشرق الأوسط الكبير تحديّاً وفرصة فريدة للمجتمع الدولي، وساهمت"النواقص"الثلاث التي حددها الكتاب العرب لتقريري التنمية البشرية العربية للعامين 2002 و 2003 الحرية، المعرفة، تمكين النساء في خلق الظروف التي تهدد المصالح الوطنية لكل أعضاء مجموعة الـ 8، وطالما تزايد عدد الأفراد المحرومين من حقوقهم السياسية والاقتصادية في المنطقة، سنشهد زيادة في التطرف والإرهاب والجريمة الدولية والهجرة غير المشروعة.."، والجديد في الشرق الأوسط الكبير - وهو مشروع قدمته الولايات المتحدة كمقترح لشراكة أطلسية تجاه الشرق الأوسط - أنه ركز بالإضافة إلى الإصلاحات السياسية والاقتصادية على تحديث المجتمعات العربية والمسلمة، وعلى إجراء تحول ثقافي فيها.

وإذا كانت الإصلاحات السياسية والاقتصادية جزءاً رئيساً من الدعاية الأمريكية فما هي طبيعة التحول الثقافي المطلوب، وما هي أهدافه؟ فهل المطلوب نشر ثقافة الديمقراطية السياسية داخل المجتمعات العربية والمسلمة، وبناء رأي عام يطالب بالحريات السياسية وبحقوق الإنسان؟

وأنا هنا لا أريد أن أجعل هذا المقال في نقد الدعاوى الأمريكية بالديمقراطية والحرية، وفي الرد على هذا التقرير؛ فقد تولى هذه المهمة غيري من الكتاب والمثقفين، كما أنني أعتقد أن الإنسان العربي الأمي يستطيع أن يفند الدعاوى الأمريكية فالأمر جد واضح، لكن أريد أن ألفت الانتباه في هذا السياق إلى خطورة الأمر، وإلى مجموعة كبيرة من السياسات التي بدأت تطبق على أرض الواقع في كثير من الدول العربية خاصة في مجال التحول الثقافي المطلوب.

أعود لتساؤلاتي السابقة لأقول: بالتأكيد إنّ الولايات المتحدة لا تهدف إلى بناء رأي عام يطالب بالديمقراطية، أو ينادي بالحقوق السياسية للشعوب، فالرأي العام المقصود متوافر وبزخم شعبي وثقافي كبير، وهو نابع من رحم المعاناة اليومية للإنسان العربي، الذي ملّ فساد الحكومات وفشلها السياسي، والذي اكتوى بنار الاستبداد والتسلط وغياب الحريات وحقوق الإنسان.

إذن فما هي طبيعة التحول الثقافي وأبعاده في الرؤية الأمريكية، وما سر تأكيد تقرير الشرق الأوسط الكبير على العمل على تحديث المجتمعات العربية؟

أدع الجواب عن هذا السؤال للخبير الأمريكي انغلهارت في مقال له في مجلة Fo r eign Policy (عدد أكتوبر 2003 / النسخة العربية) بعنوان"الصدام الحقيقي للحضارات"، إذ استند مقال انغلهارت على فكرة رئيسة، وهي: أنّ صموئيل هانتنجتون في أطروحته حول صدام الحضارات قد أصاب نصف الحقيقة بأنّ الثقافة باتت أمراً مهمّاً بالنسبة للشعوب في العالم، وأنّ السمة الأساسية للصراع العالمي في المرحلة القادمة تكمن في الجانب الثقافي.

إلاّ أن المشكلة ليست كما ظن هانتنجتون مرتبطة بالقيم السياسية في العالم الإسلامي، فنتائج الاستطلاعات العالمية تظهر أن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة أصبحت قيماً مرغوباً فيها، ومطلوبة بشكل كبير في المجتمعات المسلمة، لكن المشكلة الحقيقية تتمثل في المعتقدات الأساسية لهذه الشعوب المرتبطة بالثقافة الاجتماعية.

ووفقاً لاستطلاعات رأي واسعة حللها انغلهارت؛ فإن الشعوب المسلمة أقل تسامحاً تجاه المساواة بين الجنسين، وحقوق المرأة، والعلاقات الجنسية، وحقوق المثلين، بعبارة أخرى: فإن الصدام الحقيقي للحضارات هو صدام حول المفاهيم الجنسية السائدة في الحضارات، والتي تعكس التباين القيمي الحقيقي في المعتقدات الأساسية.

وبعد أن ربط انغلهارت بين مستويات الإصلاح الثلاثة: السياسي والاقتصادي والثقافي، أكد على أن التحولات الاقتصادية بالتحديد ستؤدي دوراً مهمّاً في التغيير الثقافي المنشود، ووصل في نهاية مقاله إلى استنتاج رئيس وهو: أن الوصول إلى الديمقراطية من خلال الإصلاحات المطلوبة والضغوط الأمريكية أمر ممكن، لكن الحفاظ على الديمقراطية هو الأمر الصعب، وبالتالي فإنّ"الالتزام الحقيقي بالإصلاحات الديمقراطية سيتم قياسه بالرغبة في تخصيص الموارد الضرورية لتعزيز التنمية البشرية في العالم الإسلامي، إنّ للثقافة تأثيراً دائماً على الكيفية التي تتطور بها المجتمعات، ولكن لا يمكن للثقافات أن تكون القدر المحتوم لهذه المجتمعات"، والمسكوت عنه في مقال انغلهارت السابق هو أن الإصلاح الأمريكي المطلوب يرتبط بتغيير ثقافي شامل وجذري في العالم الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت