الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده...
أما بعد:
فإن من عظيم نعم الله تعالى على عباده أن كرمهم على سائر الحيوان بالعقول ، وفتح لهم بعقولهم كثيرا من مغاليق العلوم كما قال سبحانه: (( وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ) ( النحل: 78) .
والعقل مأخوذ من عقال الإبل ؛ ذلك أنه يمنع صاحبه مما لا يحسن به ، قال عامر بن عبد قيس رحمه الله تعالى: إذا عقلك عقلك عما لا ينبغي فأنت عاقل [1]
والعقل حجر يحجر العاقل عن كثير من الأقوال والأفعال التي تكون سببا في هلاكه، ومن هذا المعنى قول الله تعالى: (( هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ ) ) (الفجر: 5) .
أي: لذي لب وعقل ، قال ابن كثير رحمه الله تعالى:وإنما سمي العقل حجرا لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به من الأفعال [2] .
فالعقل إذا قيد يقيد صاحبه ، يهتدي في هذا التقييد بشرع منزل ، أو بعرف ساد في الناس ، ومن رفض هذا القيد فهو يريد إلغاء العقل لصالح الشهوة بحيث لا يكون ثمة فرق بين الإنسان والحيوان إلا النطق بكلام مفهوم.
والعقل لا يستقل بمعرفة كل حسن وقبيح ، ولا كل نافع وضار ، ولا كل خير وشر؛ ولذا أنزل الله تعالى الشرائع لتكمل ما في العقل من نقص ، وتسد ما فيه من عجز عن إدراك ذلك ؛ فكانت الشريعة نعمة أخرى يهتدي بها العباد لتحصيل مصالحهم العاجل منها والآجل.
بين العقل والشرع: إن الله تعالى هو خالق البشر ، وهو سبحانه واهب العقول ، ومنزل الشرائع ، فمصدر العقل والشريعة واحد فلا تعارض بينهما ، وإذا وقع التعارض عند بعض الناس فهو لخلل في عقولهم وطرائق تفكيرهم ، أو في ما نسب إلى الشريعة وليس منها ، وشرع الله تعالى هو الحاكم ، والعقل تبع لذلك ، ولا يقضى بالعقل على الشرع ؛ لقصور العقل عن إدراك كل شيء ، ولشمول الشريعة كل شيء كما قال الله تعالى: (( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ ) ) (الأعراف: 145)
هذا في شريعة موسى عليه السلام ، ودين الأنبياء واحد كامل من رب العالمين ، شامل لكل ما يحتاجه الناس من أول الزمان إلى آخره ، وفي خصوص القرآن قول الله تعالى: (( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ) ) (النحل: 89) .
ومن عارض ذلك فهو مصادم للعقل والفطرة ، متبع لهواه ، مستنكف عن عبادة مولاه، وقد سمى الله تعالى الهوى إلها يعبد من دونه فقال سبحانه: (( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ) ) (الفرقان: 43) .
وفي الآية الأخرى: (( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) ) (الجاثية: 23) .
ومن صور اتخاذ الهوى إلها من دون الله تعالى: معارضة الشريعة المنزلة من حكيم حميد بأفكار البشر ونظرياتهم وتخبطاتهم ، وتقديم أقوالهم على أقوال الله تعالى وأقوال رسول صلى الله عليه وسلم ، وقد استشرى ذلك في البشر في كثير من المجالات بعد انتشار موجات الإلحاد وإنكار الغيب في دول الغرب، ولم تسلم من شره دول أهل الإسلام، ولا سيما فيما يتعلق بشؤون الأسرة والمرأة ؛ فقد أجلب المنافقون والشهوانيون في ديار المسلمين بخيلهم ورجلهم على أحكام الله تعالى في شأن المرأة يريدون تغييرها، ويرفعون عقيرتهم بتبديلها، مدعين أنهم يحطمون الأغلال التي غلتها، ويرفعون وصاية الرجل عنها ؛ لينقلوها لو استطاعوا من عبادة الله تعالى إلى عبادة المبادئ الغربية الإلحادية.
حقيقة العلاقة بين الرجل والمرأة: إن هذه القضية بين الرجل والمرأة قد كثر القول فيها ، وسودت فيها ألوف الكتب والمقالات ، وأفردتها بالبحث والنقاش مئات الصحف والمجلات، وتناظر فيها المتناظرون ، واختصم من أجلها المختصمون، وعقدت لبحثها المؤتمرات، وشكلت لها عشرات اللجان والجمعيات، والبشر من الشرق إلى الغرب منذ مئة عام وزيادة وهم يدوكون فيها، ويناقشون تفاصيلها، وتالله لهي أيسر من هذا كله لولا الضلال والهوى ، والتقليد على غير هدى.
إن القضية بكل يسر واختصار تتلخص في أن الله تعالى خلق الذكر ، ومن الذكر خلق الأنثى ، وجعلهما سبحانه جنسين مختلفين في التركيب البدني والعقلي والنفسي ، وفي خلقهما جنسين مختلفين يقول الله عز وجل: (( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى*مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ) ) (النجم: 45-46) .
(( أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى* أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى* ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى*فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ) ) (القيامة: 36- 39) .