فهرس الكتاب

الصفحة 6528 من 27364

مجلة البيان - (ج 79 / ص 95)

قراءة في الطروحات العلمانية الجديدة

د. محمد يحيى

يلاحظ المتتبع للطروحات العلمانية الفكرية في البلدان العربية خلال الفترة القريبة، توجهين أساسيين يحكمان هذه الأفكار، أولهما حديث نسبياً من حيث التعبير العلني عنه مؤخراً، وهو يبشر صراحة بالفكر العلماني «الكلاسيكي» في صورته الشرسة من ضرورة الفصل بين الدين (وهو هنا الإسلام) والدولة، أو بين الدين والسياسة، أو بين الدين والحكم، أو بين الدين والاقتصاد والتعليم وسائر شؤون المجتمع، أما الاتجاه الثاني فهو يواصل ما عهد عن أصحاب هذا الفكر في العقود الماضية من طرح العلمانية وراء أقنعة ومسميات شتى لا تلجأ إلى المصادمة المباشرة أو الوضوح الصريح أو الإفصاح عن النوايا والأهداف النهائية، وظهور الاتجاه الأول الذي يمكن أن نسميه بالأتاتوركي نسبة إلى رائد العلمانية في العالم الإسلامي في شكلها السياسي الشامل يرتبط بتصاعد الحرب من جانب القوى المحلية والأجنبية ضد الحركات الإسلامية، حيث فقدت هذه القوى توازنها أو صبرها في الفترات الأخيرة، وقررت أن تكون الحرب علنية ليس فقط ضد التيارات الإسلامية ولكن ضد الإسلام ذاته، من خلال وجوده الدستوري والقانوني في أنظمة الدول العربية، وأيضاً من خلال وجوده المؤسسي في هيئات تعليمية أو ثقافية أو اجتماعية، ولذا جاءت الدعوة إلى العلمانية الأتاتوركية صريحة إلى حد أننا سمعنا مثلاً موظفاً رسمياً في وزارة الثقافة بإحدى الدول العربية يتحدث باسم وزارته وهو ما يعني الحديث باسم الحكومة داعياً إلى فصل الدين عن الدولة في دستور البلاد، وتتردد آراء مشابهة من جانب كتاب من المشرق والمغرب العربي في صحف ومجلات تصدر هنا وهناك، وتديرها وتدعمها الأنظمة والحكومات، وتتراوح أهداف هذا التوجه الجديد المعلن ما بين بالونات اختبار (وفق المصطلح الصحفي الدارج) لآراء الصفوة والجماهير نحو الدعوة العلمانية الصريحة، وما بين التهديد للإسلاميين والمؤسسات الإسلامية بأنهم إذا لم يتوقفوا عن النشاطات الإيجابية في مجال الدعوة والحركة فإن الأنظمة الحاكمة قد تضطر في نهاية المطاف إلى اللجوء إلى «الحل الأتاتوركي» أي إلى تبني العلمانية التقليدية بالنص في الدساتير والقوانين على تنحية الإسلام وعزله عن شؤون الدولة والحكم والمجتمع بكل مؤسساته، والوصول إلى الإقصاء الشامل لهذا الدين عن كل شؤون الحياة.

خطورة التوجه العلماني الجديد:

لكن هذا التوجه الأخير للطرح العلماني على خطورته المتمثلة في المصادمة الصريحة للإسلام، يبقى محدوداً من الناحية الكمية بالمقارنة مع التوجه العلماني الأخير الذي يحتل المساحة الكبرى في الكتابات الفكرية والإعلامية العلمانية، وأعني به تسريب هذا الفكر بشتى جوانبه وراء مجموعة من الأقنعة وأدوات التنكر والستائر التي تخفي حقيقة جوهره أو مقاصده وأغراضه البعيدة أو الجهات التي تحركه وتستفيد منه، وفيها جهات دينية غير إسلامية تتمسك بأديانها أشد التمسك، وتتعصب لها إلى الحد الممقوت، لكنها تريد للمسلمين أن يتحللوا من دينهم، وأن تنفصم عرى هذا الدين، ويبعد عن حياة الشعوب وتوجيه مصائرها، وإذا كان الفكر العلماني الكلاسيكي محدود الطرح في الناحية الكمية حتى الآن، فإن الفكر المقنع منذ فترة طويلة ومازال أكثر انتشاراً لأنه لا يسعى إلى الصدام المباشر الواضح مع العقيدة، بل يواصل عدوانه عليها، ويهاجمها بطريق غير مباشرة، فيقوض الطرح الإسلامي بطريق الإجهاض والإضعاف المستمر، دون أن يجازف بإثارة مشاعر الجماهير المسلمة أو تحفيز طاقات رد الفعل الفكري الإسلامي، أو تنبيه المسلمين لما يراد بهم، بل ويكسب فوق ذلك التظاهر بأنه تيار فكري محايد أو حتى «إسلامي مستنير» !!

صور جديدة للخداع:

وأقنعة العلمانية كما عهدناها متعددة وكثيرة ومتغيرة وفق الظروف والمناسبات، وتتيح هذه الأقنعة مزايا أخرى لأصحاب الفكر العلماني غير ما لاحظناه فيما سبق، فهي قبل كل شيء تمكنهم من الرد على دحض الإسلاميين لأفكارهم بمقولة أن الإسلاميين لا يفهمون العلمانية، أو يتعمدون الحط من شأنها بربطها بالفكر في الإسلام، بينما هي «في الحقيقة» (أي في القناع والفكر) لا تعني سوى التفكير الحر، أو الاجتهاد الذهني، أو الاستنارة العقلية، أو الموضوعية العلمية، أو الإصلاح الاجتماعي والديني!!... الخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت