فهرس الكتاب
د. إيكيهارد شولتس**
إن الحوار أو التواصل بين الحضارات المختلفة هو عملية تاريخية تتسم بالتأرجح بين وتائر معتدلة نسبيًّا تارة، ووتائر تؤدي إلى تفاقم الخلافات الموجودة بين الحضارات المختلفة تارة أخرى.
والسؤال هو: ما هي أسباب هذه التذبذبات؟ هل هي مزمنة؟ هل وراءها مصالح معينة؟ من يدفعها حتى تتحول إلى أزمات خطيرة أو حتى إلى اشتباكات مسلحة؟ ما هو دور الأديان في هذا الصدد؟ وكيف يمكن الخروج من لحظات الصدام لفترات التفاعل والتعايش؟ وما هي الحواجز التي تعرقل الحوار؟ وكيف نتغلب عليها؟
لغة التواصل الإنساني
إن التواصل الإنساني يختلف عن التواصل بالحاسوب وهو أكثر من مجرد نقل معلومات، ويستوجب نجاحه أكثر من محض الاشتراك في لغة يفهمها الطرفان. التواصل الناجح يحتاج إلى معارف مشتركة: معارف مشتركة حول رؤية كل طرف للعالم، وحول القيم التي يتبناها كل طرف، وحول موقف كل طرف من الطرف الآخر. ولا يجوز أن نرى في الغاية من هذه المعارف الخاصة بالتواصل مع الطرف الآخر بالضرورة الوصول إلى إجماع، بل التواصل لا يتناقض مع استمرار الاختلاف وعدم الوصول لاتفاق في كل القضايا. وأزعم أنه يمكن للتواصل أن يكون ناجحًا حتى ولو كانت العقائد والقيم والآراء مختلفة تمامًا.
بيد أنه من البديهي أن يعرف كل طرف رؤية الطرف الآخر ومواقفه معرفة جيدة. ولو فشلنا في إقامة التواصل واستمراره فسوف نفشل في تحقيق التعايش البنَّاء، ليس فقط بين الحضارات بل أيضًا على مستوى التواصل الشخصي، أي أنه لا مفر من إنجاح"التواصل"بين الحضارات لمن ينشد تحقيق"التعايش"بين الحضارات.
إن القول"نحن في الغرب"يفترض وجود"الشرق"، وهذا"الشرق"ينبغي تعريفه بشكل مركب وليس فقط جيو-إستراتيجيًّا. وهذا التعريف لا يمكن أن يعتمد فقط على التاريخ المعاصر أو على وجود الكتل العالمية، ويبدو لي أن هذا المصطلح (أي الشرق) بعد أن كان وصفًا للمعسكر الشيوعي وأتباعه من الأنظمة الأوروبية التي كانت أعضاء في حلف وارسو تحول بصورة ما إلى وصف للعالم الإسلامي، وتم استعادة سمات العداء التي تعود لقرون سالفة بين أوروبا والعالم الإسلامي، مع استمرار صورة العدو/الخطر التي كانت مخصصة منذ سنوات قليلة للمعسكر الشيوعي.
ولا شك أنه من حق البعض أن يتخيل عالمًا صراعيًّا لا مجال فيه للتفاهم، أو أن يتخيل آخرون عالمًا مثاليًّا خاليًا من أي مشاكل تواصلية، فهذه التصورات موجودة، ومع ذلك ينبغي أن نعرف أن عالمنا الحقيقي سيختلف دومًا عن هذا العالم القبيح الذي لا يمكن فيه عبور فجوة الاختلاف، أو حتى هذا العالم المثالي الذي يفهم فيه كل إنسان الآخرين رغم كل التباينات الحضارية. العالم الحقيقي مركب ولا يمكن اختزاله لمفردات وتصورات بهذه البساطة.
إن المشاكل التواصلية ستستمر حتى مع توافر حسن النية لدى الجميع، وقد تؤدي الاختلافات والتباينات الثقافية إلى سوء الفهم وإلى أخطاء في التقييم. ولذلك يجب علينا ألا ننطلق من الرغبة في تحقيق ما يبدو وكأنه الحالة المثالية بل ربما كان الأجدى أن نبدأ بمحاولة منع حدوث الأسوأ. فكلما اتسعت دوائر العولمة اصطدمت حتمًا العقائد والقيم المختلفة، وهذا الاصطدام قد يؤدي إلى عواقب أكثر تدميرًا لو لم نستطع أن نحلَّ النزاعات حلاًّ ينبني على"التعارف"والتواصل.
يجب علينا إذن أن نعمل بكل ما في وسعنا للحيلولة دون حدوث أسوأ الأوضاع، أي انهيار التواصل ونهايته خاصة في مجال التواصل بين الثقافات.
والاستنتاج المنهاجي هو أنه لا يجوز أن نفكّر في كيفية التواصل بين الحضارات فحسب بل يجب علينا أن نلتقي، ونقوم بخلق السياقات والدوائر التي يتم فيها التواصل المباشر بين الحضارات، علمًا بأن التواصل يتم يوميًّا إعلاميًّا وفكريًّا وأدبيًّا وتجاريًّا وعسكريًّا، بل وإرهابيًّا! وعلى ضوء ذلك يجب علينا التفكير في كيفية الحيلولة دون تحول التواصل إلى عملية عشوائية لا يستفيد منها إلا طرف واحد، أو أطراف على نفس الجانب دون الجانب الآخر من التواصل.
والتواصل الناجح لا يعني أنه من المفروض أن نعرف كل شيء عن الآخر، ولا أن تتمتع كل المعلومات بنفس القيمة والثقل. ويجب بالضرورة ألا نعرف كل ما يمكن معرفته حول موقف الآخر من العالم والقيم وآفاق المستقبل.
إن المعارف التي نحتاج إليها هي المعارف التي تتركز على ما هو جوهري فقط لحامل هذه المعارف، أي ما يسمى بجوهر هويته، أي الهوية الشخصية في التواصل الشخصي أو التواصل بين الأشخاص أو الأفراد والهوية الحضارية أو الثقافية في التواصل بين الثقافات أو الحضارات. ويمكن تحديد المستوى الشخصي أو الجماعي على أساس تحديد المسافة بيننا وبين الآخر، أي ما هي الاختلافات أو التباينات بيننا؟
تناحر أم مساحات اشتراك؟